المقالات

إلا الحماقة أعيت من يداويها

الأرض كبيرة وواسعة وفي كل بقعة من بقاع الأرض تجد انواع مختلفة من البشر، ففي هذا العالم، يتنوع البشر بأشكالهم وألوانهم، وفي كل فرد تتجلى نعمة مختلفة أعطاها الله له. فبعضهم مُنح فطنة وفهماً عميقاً، يستطيعون من خلالها فهم جوانب الحياة المختلفة والتعامل معها بحكمة، بينما يوجد نوع آخر من البشر يعانون من قصور في الفهم، يجعلهم يتجاهلون الخيرات التي تحيط بهم. فهناك من أعطاه الله نعم التقدير والقدرة على فهم ما يدور حوله وهناك من ينعته الجميع بنقص فهمه الذي يظهر عليه في كل موقف وكل خطوة.

ونقص الفهم هو صورة الضباب الكثيف الذي يعتري العقول، إلى أن يحجب الإنسان عن رؤية الجمال والنعم التي يتلقاها من الآخرين. وهنا أنا لا أقصد بنقص الفهم ذلك الخلل المتعارف عليه، بل أقصد وأؤكد على نقص الفهم الذي يجعل الإنسان ينسى ما قدمه له الآخرون، أو يتناسى جمال اللحظات التي أعانه فيها مَن حوله، سواءً بالتوجيه أو بالمساعدة. فالفهم الناقص كالضباب الكثيف يحجب رؤيته عن الخيرات المبذولة له. ورغم أنه قد يكون الإنسان موضوعاً لكرم الآخرين، إلا أن تلك الأفعال النبيلة تتلاشى في ذهنه.

فهو للأسف يعتبر ما قُدم له حقاً مكتسباً له، كما لو أن الجود والمعروف قد وُضعا في حسابه الشخصي فقط. وتلك هي إحدى النواحي المظلمة في طبيعة البشر، حينما يفقدون القدرة على التقدير والامتنان، ويتغاضون عن جميل ما قُدم لهم، مهما كان بسيطاً أو كبيراً، لكن أحياناً يزيد ذلك إلى أن يصل إلى درجات لا تحتمل.

فنقص الفهم هذا يتجلى أكثر وأكثر في الشخص كثير الطلبات، بلا مناسبة ولا مراعاة لمن حوله على أقل تقدير، فهو ينظر  إلى العالم من منظور ضيق، والأهم بالنسبة له هو إشباع رغبته الشخصية، دون أن يدرك أن هذا النهج تعطيل لحقوق الآخرين أو تقليل لجودة حياتهم.

حتى إنه في ردوده قاسي لا يفكر قبل تفوهه بالكلمِة، ولا يفهم إلا بالمال، فالمادة هي أهم وأولى اهتمامات ناقصي الفهم، ليصل ذلك إلى إنه لا يستطيع أن يفعل شيء ما إلا بمقابل يرضيه ويرضي عقليته المحدودة.

وذلك غير إنه كثير الشكوى بسبب وبدون سبب، ولا يشكر من حوله في أي حال من الأحوال… فهو محب الظهور وليس أي ظهور، بل الظهور في دور الضحية أو في لباس من ليس له مثيل. عاشق الكلام و الاضواء، وفي كل موقف لا يتعلم من غلطاته، بل ويكررها مرات ومرات بكل تفاصيلها.

فناقصي الفهم كثيرون حولنا ولهم صفات كثيرة ومواقف أكثر وهناك من يستطيع أن يتعايش معها وهناك من لا يستطيع ذلك، فأبعد عن ناقص الفهم إلى أن يرفع عنه قناع الغرور والأنانية الذي يعيش فيه… تلك القوقعة التي يغلقها على نفسه ولا يريد الخروج منها، بل يسعى جاهداً ليسحب كل من حوله إليه، فنراه يسير بثقة ويتفاخر بانتصاراته الزائفة، دون أن يدرك أنه في الحقيقة يسير في دائرة مغلقة تسلم بدايتها لنهايتها.

وتلك الأشخاص هم النوع الأخطر من بين الآخرين، فكل صفة ولها علاج إلا نقص الفهم فلا يُعالج. ولذلك يؤكد المتنبي على أنه «لكل داء دواء يستطب به، إلا الحماقة أعيت من يداويها» فلا تحاول أن تداوي ذلك النقص فيه، فمهما حاولت ستفشل وفي النهاية ستصاب انت أيضاً بما فيه.

 

الكاتب / طارق محمود نواب

الخميس 16  مايو 2024 م

للأطلاع على مقالات الكاتب ( أضغط هنا )

 

سناب صحيفة صراحة الالكترونية
زر الذهاب إلى الأعلى