“الحذيفي” في خطبة الجمعة بالمسجد النبوي: أكرم الله بالإسراء خليله محمدًا ومسح به همومه وغمومه كلها وأنساه به كل الشدائد والكربات

صراحة – المدينة المنورة: قال إمام وخطيب المسجد النبوي على بن عبد الرحمن الحذيفي ان الإسراء آية من آيات الله الكبرى، والمعراج آية أكبر من الإسراء، أكرم الله به خليله محمدًا ومسح به همومه وغمومه كلها، وأنساه الله بهذا الإسراء كل الشدائد والكربات والمصائب وأنواع الأذى الشديد في الدعوة إلى الله تعالى الذي لا تطيقه الجبال الراسيات، فكان قبل الإسراء في زمن عصيب ووقت من هذا الحدث قريب؛ تتابع على خير الخلق عليه الصلاة والسلام أحزان ولقي من السخرية والهوان، فماتت خديجة -رضي الله عنها- التي كانت سكنًا له ووزير صدق تصبره تعينه على مهامه الشاقة في الحياة وتواسيه بمالها، ومات عمه أبو طالب في عام واحد.
والتمس النصرة من ثقيف آخر الأمر فأغروا به السفهاء يرمونه بالحجارة حتى أدموا رجليه، فتوجه إلى رب العزة بهذا الدعاء: «اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني إلى عدو بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولكن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل بي غضبك أو تحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك».
وبعد الطائف ناداه ملك الجبال أن يأمره أن يطبق على مكة الجبلين فقال ﷺ: «أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله». وهذا هو الحلم واليقين والصبر والرحمة.
افتتح الله تعالى سورة الإسراء بقوله العزيز: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الإسراء: 1]، ورب العالمين إذا أراد أن ينزه نفسه ويقدسها ويثني على نفسه بصفات الجلال والكمال والكبرياء والعظمة وكمال القدرة؛ يبدأ هذا بتسبيح نفسه جل وعلا، كقوله تعالى: (فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [يس: 83] وكقوله تعالى: (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ) وإذا أراد أن ينزه نفسه عن أقوال المشركين والملحدين التي يقدس الرب وينزه عنها ويتعالى الله ويتعاظم عنها جل وعز؛ يبدأ بتسبيح نفسه، كقوله معك: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ) وكقوله تعالى: (أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ).
والإسراء من أفعال الله تعالى العجيبة والآيات الكبرى التي توجب تسبيح الله تعالى وتقديسه وتنزيهه عن أن يكون له شبيه أو مثيل في ذاته أو صفاته أو أفعاله، فلا زمان يخرج عن قدرة الله سبحانه ولا مسافة تعجز الله تعالى، ولا مكان إلا وهو ملك الله سبحانه وفي قبضته، هو سبحانه القابض والباسط القادر، يقدر أن يجعل الزمن القصير متسعاً لما يشاء من الأمور العظام، ويقدر أن يجعل المسافة التي تكون أبعد شيء أقصر تقطع كما أراد سبحانه.