المقالات

السم في العسل

ثمّة أشياء لا تُخيفك حين تراها… بل حين تُصدّقها، وحين تقترب منها أكثر مما ينبغي. فليس كل ما يلمع ضوءًا، ولا كل ما يُقال بنبرةٍ ناعمةٍ يحمل نيةً نقية. فهناك نوعٌ خفيّ من الأذى لا يطرق الباب بعنف، بل يتسلل كنسيمٍ لطيف، يلامس روحك أولًا… ثم يبدأ في التغلغل حتى يُعيد تشكيلك دون أن تشعر.
فالسم في العسل ليس مجرّد خدعة عابرة، بل حيلةٌ متقنة تُمارَس بهدوءٍ خادع، حيث تُصاغ الكلمات بعناية، وتُختار اللحظات بدقّة، ويُمنحك الشعور بالأمان… فقط ليُصبح ذلك الأمان نقطة ضعفك الأولى. وهو ذاك اللطف الذي يتجاوز حدّه حتى يُصبح مُريبًا، وتلك العناية التي تُقدَّم لا لوجهك… بل لما يمكن أن يُؤخذ منك لاحقًا.
وفي هذا العالم، لا يُخدع الناس بالقسوة بقدر ما يُخدعون بالجمال المُزيّف. فالوجه العابس واضحٌ في نواياه، أما الوجه المُبتسم بإفراط… فقد يُخفي وراءه حساباتٍ لا تُرى. إن أخطر ما في السم المغلّف بالعسل، أنه لا يُثير فيك الحذر، بل يُربك فيك الفِطرة، فتتردّد بين الشك والتصديق، وبين الانسحاب والبقاء.
فتراه في علاقاتٍ تبدأ بفيضٍ من الاهتمام، ثم تتحوّل تدريجيًا إلى استنزافٍ صامت. في كلماتٍ تُقال لتُرضيك، لكنها تُعيد تشكيل قناعاتك بما يخدم غيرك. وفي مواقفٍ تُقدَّم لك على أنها دعم… بينما هي في حقيقتها إعادة توجيهٍ خفي لمسارك. وهناك من لا يُجيد المواجهة، فيُتقن الالتفاف، ولا يُظهر نواياه، بل يُزيّنها حتى تبدو وكأنها صادرةٌ من أجلك.
والأدهى من ذلك… أنك لا تكتشف الأمر دفعةً واحدة، بل على هيئة تفاصيل صغيرة، مواقف متفرّقة، إحساسٍ خافت يتكرر، لكنك تتجاهله لأن الطعم لا يزال حلوًا. وهنا تكمن الحكاية، فليس كل ألمٍ يبدأ بوجع، بعضه يبدأ بلذّة.
فالسم في العسل يُربك المعايير، ويُربّي داخلك شكًّا مُتأخرًا. يجعلك تعيد قراءة ما حدث، وتسترجع الكلمات، وتتفحّص المواقف، وكأنك تُحاول أن تفهم متى بدأ كل شيء يتغيّر؟ لكن الإجابة غالبًا لا تكون في اللحظة التي شعرت فيها، بل في اللحظة التي صدّقت فيها دون أن تسأل.
لهذا، لا تكن ساذجًا في طيبتك، ولا قاسيًا في حذرك… بل كن متّزنًا. خُذ من اللطف قدره، ومن القرب حدّه، ومن الثقة مقياسها. ولا تُطفئ وهج الجمال فيك ، لكن لا تُسلّم له نفسك كاملة. فراقب التفاصيل، فالحقيقة لا تختبئ في العناوين الكبيرة، بل في الإشارات الصغيرة التي تتكرر.
فالنجاة ليست في الهروب من الناس، بل في فهمهم، وليست في إغلاق القلب، بل في حراسته. بأن تعرف متى تُصغي، ومتى تتراجع، ومتى تقول هذا البريق… لا يُطمئن.وفي نهاية الأمر، ستُدرك أن الخطر لم يكن في السم وحده، بل في الطريقة التي قُدّم بها، في الغلاف الذي خدعك، وفي الثقة التي منحتها دون اختبار. وستفهم أن الحياة لا تعاقبك لأنك وثقت، بل تُعلّمك كيف تُحسن الاختيار.
فالسم في العسل… ليس قصة تُحكى، بل تجربة تُفهم، وكل من مرّ بها خرج منها بوعيٍ لا يُشبه ما كان عليه من قبل.

 

الكاتب / طارق محمود نواب

السبت 28 مارس 2026 م

للاطلاع على مقالات الكاتب ( أضغط هنا )

زر الذهاب إلى الأعلى