المقالات

النبيذ في الحضارة المصرية القديمة

(وَمِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنابِ تَتَّخذُون مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً …)

الآية 67 من سورة النحل

(يَسْألُونَكَ عَن الخَمْرِوَالمَيسِرِ قل فِيهِمَا إثم كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُمِن نَّفْعِهمَا …)

الآية 219 من سورة البقرة

أستمتع القدماء المصريين بنوعين أساسيين من المشروبات الكحولية في حياتهم اليومية ، الجعة(حنقت h”n”qt) ، والنبيذ (إرب irp) ومصطلح (إربirp) (في القبطية erp ,elp) وهي تشير إلي الخمور المصنوعة من العنب والتي بالطبع كانت معروفة وموجودة منذ فترة ما قبل الأسرات بناء علي جرار الخمور التي وجدت في المواقع التي تنتمي إلي هذه الفترة بناء علي توزيع جغرافية إنتاج الخمر من العنب

وورد أيضاً في النصوص القديمة ذكر إستعمال النبيذ قرباناً للألهة وتقدمة خاصة بالمساء والأعياد ، وتقدمة جنائزية، وقرباناً سائلاً لطقوس العبادة وللطقوس الجنائزية وشراباً ، وكذلك تسلمة كجزية

المصطلحات الدالة علي النبيذ

وردت بعض الكلمات في اللغة المصرية القديمة التي دلت علي النبيذ بإعتباره من السوائل الهامة والقرابين المهمة في التقدمة والتي لا يستطيع المصري القديم أن يستغني عنه ، وأنه عبارة عن عُصـارة من الكروم

**(الإربirp 🙁Wine) (النبيذ):-

أما إذا جاء الدور في الحديث عن معني النبيذ في اللغة المصرية القديمة فيمكننا ان نقول بأن معناها (إرب) في اللغة القبطية فهي مأخوذة من أصلها في المصرية القديمة أي أنها لم تختلف كثيراً (إلب”B.” elp) ، وفي اللغات الأجنبية بمعني wine، ونبيذا أو خمراً في اللغة العربية.

أهم أماكن إنتاج النبيذ:-

مصر لم تكن الموطن الأساسي له، تقنية إنتاج النبيذ من العنب ربما أُخذت عن سوريـا، وفي عصور ما قبل التاريخ في فلسطين فلقد وجدت جرار للنبيذ ، وفي فترة عصور ما قبل التاريخ وبداية الأسـرات في سوريــا عُثر علي جرار للنبيذ.

وفي مصر القديمة عرفنا إنتاج النبيذ من خلال النقوش والمناظر في عدد من المقابر منذ الدولة القديمة وصاعداً .(حتي العصور البطلمية) ، والتي تصور كثير من مناطق إنتاج النبيذ

ولم يعرف حتي الآن بصفة قاطعة ما إذا كانت كروم العنب قد استوردت إلي مصر من الخارج منذ عصر ما قبل الأسرات او أنها أصيلة في وادي النيل ولكنه شراب الآثرياء.

وكثيراً مـا يُشـار إلي النبيذ في اللغة المصرية القديمة والمقصود به ” نبيذ العنب” ويذكر لوكاس ، بأن أقدم إشارة يعرفها هي في عهد الأسرة الثالثة ولو أن العلامة الهيروغليفية الدالة علي معصرة العنب قد أُستعملت في عهد الأسرة الأولي ،كما ان هناك جرار نبيذ معروفة من ذلك العهد أيضاً .

ويذكر بتري أن كروم العنب كانت تُزرع في مصر في العصور القديمة، ولقد ظهرت معاصر العنب علي الآثار التي ترجع إلي منتصف عهد الأسرة الأولي

وأعتقد أن زراعة الكروم بدأت من عصور الدولة القديمة وظلت مستمرة حتي الأن . وفي العصر الوسيط إزدهرت صناعة النبيذ وربما كانت بداية زراعته في بداية الأسرات.

ومن أقدم الصناعات المعروفة هي صناعة الجعة والنبيذ والزيوت النباتية من الخردل والخروع والخس والزيتون، وكانت كل الكروم تقريباً موجودة في الدلتا ولا سيما في المنطقة الشرقية.

ورأينا في بعض مناظر مقابر الدولة الحديثة كيفية جمع عناقيد العنب ذات الحبات الزرقاء الحلوة المذاق وهرسها بالأقدام وتجميع السائل في قدور لتصفيته مرات عديدة.

وفي العصرين اليوناني والروماني اشتهرت عدة مدن بصناعة النبيذ مث مريوط وسمنود وتانيس(صان الحجر) ومندس(تل القصر دقهلية) والفيوم وقفط وأسوان.

 

 

أنواع النبيذ في مصر القديمة

كما يعبر بكلمة (نبيذ) عادة عن العصير المخمر للعنب الطازج وكان النبيذ بهذا المعني أهم الخمور عند قدماء المصريين ،  ولو أنه كانت لديهم أنبذة أخري أيضاً مثل نبيذ النخيل ونبيذ البلح ونوع اضافي كان يصنع من ثمر المخيط علي قول بليني نبيذ الرومان أحياناً في العصر المتأخر.

وصور المصريون كذلك طريقة صناعة النبيذ. إذ يبدو انه كان من المشروبات المحببة اليهم ومن المناظر الواضحة لهذه الصناعة منظر في مقبرة “بتاح حتب” . وكان ذلك يتم بان يقوم عدد كبير من الرجال يجمع عناقيد العنب الكبيرة في سلال يحملونها علي ظهورهم إلي مكان العصر .وهناك يفرغونها في أوعية كبيرة  ليست عميقة ولا نعرف ان كانت مكن الخشب او الحجر،  ثم يدوسون العنب بأرجلهم ،  ويقوم بذلك خمسة او ستة رجال مجتمعين وعلي ايقاع الموسيقي.

  • نبيذ العنب:-

كثيراً ما يُشار إلي النبيذ في النصوص المصرية القديمة المقصود به نبيذ العنب ، وكثيراً ما صرت علي جدران المقابر مناظر قطاف الكروم فيري فيها جني العنب ودوسه أو عصره أو هذه العمليات جميعاً ،  وفي أمثلة ذلك مقبرة من عهد الأسرة الخامسة بسقارة. وأخري من عهد الأسرة السادسة.بها أيضاً وثالثة من عهد الأسرة الثانية عشرة بالبرشا. ومقابر عدة من هذا العهد أيضاً في بني حسن وكان انتشار زراعة الكروم في اقليم الوعل(بني حسن) – وهو الذي رأيناه واضحاً في المناظر المتبقية علي جدران مقابره .باعثاً علي ان تمارس صناعة النبيذ(عصر العنب وتحضيره) في مناطق الاستقرار السكاني بالإقليم

. ومقابر كثيرة أخري من عهدي الأسرة الثامنة عشرة والأسرة التاسعة عشرة في جبانة طيبة (6).فقد غرس رمسيس الثالث “كروماً لا حصرلها” في الواحات الجنوبية والشمالية وغيرهما في مصر العليا والسفلي وخصص له ارقاء من اسري الحرب ليكونوا عمالاً يعملون تحت اشراف البستانيين المصريين وحفر فيها “أحواضاً بها ازهار اللوتس” . وقد تعهد بصفة خاصة بعنايته للكروم الذائعة الصيت المسماة “كاني . كمي ” (أي غذاء مصر) التي تنتج ” النبيذ الحلو”، ،ومقبرة من العهد الصاوي.

 

أما عن تحضير نبيذ العنب في مصر القديمة. وتحضير النبيذ أمر بسيط نسبياً ،  فكان ما يلزم هو عصر العنب وتلخيص العصير مما قد يكون عالقاً به من السويقات والقشور والبذور،  وأخيراً يترك العصير ليتخمر من تلقاء نفسه ولا سيما بتأثير الخمائر البيرية . ولكن التخمر يحدث أيضاً إلي درجة معينة بفضل الإنزيمات التي توجد في العصير (وأخصها الـzymase) .

وطبقاً لما يري في المناظر علي جدران المقابر التي سبقت الأشارة إليها. كان العنب يعصر بالدوس حتي يتعذر استخراج مزيد من العصير . ولا تزال هذه الطريقة مستعملة الي اليوم علي نطاق واسع في فرنسا واسبانيا لأنها تعطي نتائج افضل من وجوه كثيرة من تلك التي يحصل عليها باستخدام المعاصر الميكانيكية.

فالعصر بالأقدام له ميزة كبيرة إذ بينما يستخلص العصير استخلاصاً تاماً لا يسحق السويقات ولا البذور كما يحدث في المعاصر فتتسرب بذلك إلي العصير مواد قابضة او صابغة غير مرغوب فيها. وكان التفل بعد دوسه يوضع في قطعة من القماش أو كيس يبرم بإحكام كي يعصر السائل المتبقي ، وكانت هذه الطريقة لاتزال مستعملة في الفيوم في اول القرن التاسع عشر. وكان العصير يصب بعدئذٍ في جرار كبيرة من الفخار حيث يترك ليختمر ،  غير أنه  ليس هناك ما يبين هل كان السائل الناتج من الدوس يمزج بالسائل الناتج من العصر أو كان كل منهما يخمر علي حدة والسائل الناتج عن العصر يكون- لبقائه مدة أطول متصلاً بالسويقات والبذور والقشور- أكثر السائلين قبضاً وأشدهما انصباغاً وذلك لأن الإختمار متي كمل ينتج كحولاً يكون قد استخلص من السويقات والبذور خلاصات قابضة كما يكون قد استخلص بوفرة من القشور مواد صابغة إن كان العنب الأسود قد استعمل.

  • نبيذ البلح(العرقي):-

كانت ثمار البلح دائماً ذات قيمة خاصة عند المصريين القدماء واستخرجوا منه نوعاً من نبيذ البلح يسمونه في مصر العليا (عرفي) وتشتهر بصناعته حتي اليوم بعض بلاد محافظة قنا مثل نقادة ويستخدم في العقاقير الطبية لا سيما في الملينات كما يستخدم شرابا .

ويذكر (هرودوت) و(ديودور) أن نبيذ البلح كان يستدم في تنظيف جثث المتوفي. وقد ورد ذكره في متون الأهرام.

ووصف بوكهارت مشروباً مماثلاً يصنع في بلاد النوبة يغلي بلح ناضج مع الماء وتصفية السائل وتركه ليختمر. ويذكر أوراك بيتس أن شراباً مسكراً يصنع في شرقي ليبيا بتخمير البلح وكان يصنع في مصر أحياناً

  • نبيذ النخيل:

ورد في نصوص الأهرام ذكر نخلة تنتج نبيذاً . وذكر كل من هيرودوت و ديودور أن نبيذ النخيل كان يستخدم في مصر لغسل التجويف البطني أثناء عملية التحنيط . وروي هيرودوت أن قمبيز أرسل برميلاً من نبيذ النخيل الي اثيوبيا ، ويقول ولكنصون إن نبيذ النخيل يصنع في مصر كان يصنع بمصر في زمنه وأنه كان يتألف من عصارة شجرة النخيل ويحصل علي هذه العصـارة بعمل حز في جمار الشجرة تحت قاعدة أغصانها العليا مباشرة وإن السوائل فور أخذه من النخلة لا يكون مسكراً ولكنه يكتسب هذه الصفة بالتخمر عند ما يستبقي ،  وإن نبيذه يشبه في طعمه نبيذ العنب الجديد الخفيف جداً . وهو يقول أيضاً إن النخلة التي تستنزف  بهذه الطريقة تصير عديمة النفع في إنتاج الثمر وتموت عادة . ويذكر بدنل أن في واحات مصر وجهاتها الأخري سائل مخمر.

 

يحصل عليه بعمل حز عميق عند رأس شجرة النخيل ،  ويمكن استنزاف العصير من النخلة مرة أو مرتين في الشهر دون أن تصاب بضرر ما،  وقد يكون لهذه العملية في الواقع فائدة عظيمة لشجرة عليلة، ويذكر أورك بيتس أن مسكرا يصنع في شرقي ليبيا  بتخمير عصارة شجرة النخيل. وفي مصر أيضاً نجهز أحياناً نوع من النبيذ بطريقة مماثلة إلا أن العصارة تؤخذ دائماً من شجرة ذكر لا يحتاج اليها وتموت هذه الشجرة عادة من جراء هذه العملية فتقطع . ويتم تخمر العصارة بواسطة الخمائر البرية الموجودة علي النخلة وفي الهواء .

 

ومن رأي بروجننج أن نبيذ النخيل الذي كان يستعمل في مصر قديماً لم يكن يستخرج من نخيل البلح بل من أنواع أخري من النيل مثل نخيل رافيا Rephia ويظن أنه ربما كان ينبت في مصر في وقت ما ولو أنه لا يوجد فيها الآن. حقيقة أن نخلة رافيا – التي هي شجرة افريقية وتنبت في مستنقعات الغابات غالباً- تنتج نبيذاً فعلاً وتستخدم في صنعه في بعض أرجاء أفريقيا وإنها تسمي أحياناً نخلة فرعون غير انه ليس هناك دليل علي أنها كانت تنبت في مصر في وقت ما. ولما كان نبيذ النخيل الذي يصنع منه في الوقت الحاضر هو من نخيل البلح فليس هناك ما يدعو إلي الظن بأن الحال قديماً كانت تختلف عن ذلك.

 

  • نبيذ ثمر المخيط:-

أما نبيذ ثمر المخيط فليس هناك أية اشارة عنه يمكن الرجوع اليه سوي ما ذكره بليني من انه كان يصنع في مصر وتنتج شجرة المخيط cordia myxaالتي تزرع في الحدائق بمصر ثمراً لزجاً سماه ثيوفراستوس “البرقوق المصري” ووصفه دون ان يشير الي أي انتفاع به في صنع النبيذ ، ول أنه يُذكرأنه كان يصنع من كعك او اقراص. وقد تعرف نيوبري علي جزء من هذه  الشجرة –لعله الثمررة- في الجبانة اليونانية والرومانية بهوارة.  ووجد ديفيز في بلدة الشيخ سعيد طبقات كثيفة من أوراق هذه الشجرة وهي من عصر متأخر يحتمل ان يكون العصر القبطي. كما عثر جريفيث ففي فرس ببلاد النوبة علي بذور شجرة من هذا النوع وثمارها يحتمل ان تكون هي الأخري من عصر متأخر وهي الأن بمتحف الحدائق النباتية الملكية بكيو بإنجلترا.

  • نبيذ الرمــان:-

إن الإشارة الوحيدة إلي نبيذ الرمان التي عثر عليها في مخلفات مصر القديمة هي تلك التي وردت في بردية من اواخر القرن الثالث الميلادي،  ولو ان هذا النبيذ كان معروفاً لدي اليونانيون كدواء. ويذكر لتس أن المصريين كانوا يستعملون نبيذ الرمان ، ولكن بيت يقول “إن (هذا) التعرف محض تخمين”. ويقول أيضـاً إن نبيذ التين الذي ذكره لتس ما هو إلا سلتان من التين ، وقد أخطأ لتس في فهم معني الكلمة الأصلية

  • أنبذة أخري:-

ويعتبر النبيذ المريوطي من أحسن أنواع الأنبذة نظراً لطبيعة الأرض في هذا الاقليم وقد اشتهر بحلاوته ولونه الأبيض كما كانت انبذة الاسكندرية وقفط كذلك جيدة الانواع . وهناك كروم كثيرة أخري في وادي النيل لها شهرتها العظيمة وتختلف في لونها ومذاقها . وكانت بعض الأنبذة التي صنعت في طيبة وحول قفط خفيفة بينما وجدت أنبذة اخري مفعولها قوي يرجح أن استعمالها كان قاصراً علي الرجال فحسب.

لون النبيذ في مصر القديمة:-

وكثيراً ما يتوقف لون النبيذ علي لون العنب وعما اذا كانت القشرة قد تركت مع العصير اثناء عملية التخمر . فالعنب الابيض يعطي نبيذا ابيض وعصير العنب الاسود لا لون له ويعطي نبيذا ابيض الا اذا تركت القشرة مع العصير عند التخمر فيعطي نبيذا احمر اللون.

وهناك لونان للنبيذ في مصر القديمة الأول : النبيذ الأحمر والذي يُصنع من العنب الذي يُعصر عن طريق الأقدام والذي كان يعبر في الديانة والقرابين عن الدم البشري (دم الأعداء) ، وعن عين حورس التي سقطت بدمها. وكان هناك أيضاً النبيذ الأبيض

عصر العنب في الأكيــاس ، مقبرة باكت ببني حسن من الدولة الوسطي.

مرحلة جني العنب وعصره تمهيداً لصناعة النبيذ وتعبئته في الجرار مقبرة نخت – طيبة- عصر الدولة   االحديثة.

 

د/ أحمد محمد عبد العال

للأطلاع على مقالات الكاتب الاخرى ( أضغط هنا ) 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى