رسومات أطفال مدينة سلطان للخدمات الإنسانية تضيء احتفال “نور الرياض”

صراحة ـ واس
في قلب مركز الملك عبدالعزيز التاريخي بالرياض، حيث تلتقي ذاكرة المكان بحداثة المدينة واتساع رؤيتها، يقدّم الفنان الصيني تشانغ زِنجزِنج أحد أبرز أعماله في نور الرياض 2025، إذ يُعيد تشكيل رسومات أطفال مدينة سلطان بن عبدالعزيز للخدمات الإنسانية، وأطفال من الصين، في هيئة منحوتات ضوئية معلّقة تبدو كأنها أحلام عابرة تتلألأ في زوايا المكان، تحت عنوان “الضوء إلى الديار”.
ويشكّل هذا العمل منعطفًا لافتًا في ممارسات الفنان؛ فهو لا يقدّم مشروعًا تقنيًّا أو مكانيًّا فحسب، بل مشروعًا إنسانيّا يعيد الاعتبار إلى أمل الطفولة بوصفه مصدرًا للخيال وطاقة حيّة تدفع الإنسان نحو حياة أكثر هدوءًا واتزانًا.
ويُعد تشانغ زِنجزِنج (مواليد 1987) فنانًا ونحاتًا متعدد التخصصات، وأستاذًا في معهد سيشوان للفنون الجميلة، يستكشف في أعماله العلاقة بين التقنية والفضاء العام، والسلوكيات الاجتماعية غير المرئية، وقد أصبح صوتًا نقديًّا مؤثرًا في النحت الصيني المعاصر عبر أعمال تتجاوز الشكل إلى الفكرة والمفهوم. شارك في بينالي تشنغدو وفي “شنتشن بينغشان الدولي للنحت”، فيما ركّزت معارضه الفردية مثل “نهر اليانغتسي” و”شكل الصوت” على أسئلة المادة، والزمان والذاكرة والمجتمع.
وانبثقت فكرة العمل من رغبة الفنان في خلق تجربة مشتركة بين مجتمعين مختلفين ثقافيًّا وجغرافيًّا. اختار مجموعة من أطفال المدينة، وجمع رسوماتهم في ورش عمل مخصصة، إذ عبّروا بخطوطهم البريئة عن بيوت دافئة ونجوم مشعّة وكائنات وأشكال متحركة وقلوب وخطوط متعرجة لا تخضع إلا لمنطق الطفولة واتساع خيالها.
لم تكن هذه الرسومات مجرد مصدر إلهام، بل تحوّلت بالكامل إلى منحوتات ضوئية ثلاثية الأبعاد. كل خط رسمه طفل، مهما بدا بسيطًا، أصبح عنصرًا مضيئًا يتحرك مع الهواء، ويلقي انعكاساته على الجدران المحيطة. هكذا صار العمل مساحة بصرية تشاركية: الأطفال رسموا الفكرة الأولى، والفنان أعاد تشكيلها، والرياض احتضنتها.
وتُعدّ مدينة سلطان بن عبدالعزيز للخدمات الإنسانية إحدى أكبر المدن الطبية والتأهيلية في المنطقة، وهي أحد أبرز مشاريع مؤسسة سلطان بن عبدالعزيز آل سعود الخيرية. تأسست لتقديم خدمات إعادة التأهيل الشامل، إضافة إلى فعاليات ومبادرات مجتمعية وثقافية تُسهم في رفع الوعي وتعزيز جودة الحياة، ومنها مشاركة الأطفال في تجربة نور الرياض مع الفنان تشانغ زِنجزِنج.
وتتوهّج المنحوتات المعلقة من داخلها، وكأن الضوء يسكنها. صُممت لتستعيد خطوط الرسومات الأصلية دون أي مبالغة؛ فالطفولة هنا ليست موضوعًا يُستدعى، بل هي المصدر نفسه. وما يمنح العمل أثره العميق أنه يحتفظ بنظرة الأطفال إلى العالم، ليُحوّل الفضاء فوق رؤوس الزوار إلى أرشيف بصري عالمي للأمل.
ويطرح العمل سؤالًا هل يعود الإنسان إلى بيته عبر المكان، أم عبر الضوء والذكريات بالنسبة لتشانغ، يمثّل الضوء امتدادًا عاطفيًّا لا مجرّد إضاءة، فهو رمز للألفة والحنين ولحظات الطفولة الأولى. لذلك يبدو العمل جسرًا بين الأجيال؛ الطفل يرسم دون خوف، والفنان يعيد إحياء الرسم بوعي، والزائر يرى نفسه في ضوء بينهما. كل عنصر مضيء هو فعل إبداعي مشترك بين مجتمعين وثقافتين وطريقتين مختلفتين في تخيّل العالم، لكنه أيضًا فعل يوحّدها جميعًا تحت سماء واحدة.
ويتسق العمل مع فلسفة نور الرياض في جعل الفن جزءًا من الحياة اليومية وإشراك جميع الفئات في التجربة الإبداعية. فمن خلال هذا المشروع، يبرهن نور الرياض أن الفن يمكن أن يبدأ بخطّ عفوي يرسمه طفل، وينتهي بعمل كبير يلامس عشرات الآلاف من الزوار.
واختيار مركز الملك عبدالعزيز التاريخي ليس خيارًا جماليًّا فحسب، بل رسالة؛ فالمكان الذي يحتضن الذاكرة الوطنية يصبح أيضًا مسرحًا لأحلام الأطفال وحوارًا لطيفًا بين الإنسان والأمل والصيرورة، بين الماضي والمستقبل، وبين الرياض والعالم.
ليس مجرد عمل بصري، بل تجربة إنسانية تُعيد صياغة الفن لغةً مشتركة، وتذكّر بأن أنقى أشكال الإبداع لا تولد في الأستوديوهات المغلقة، بل في لحظة لعب، أو رسم متعرج على ورقة طفل، أو ضوء صغير يعيد للإنسان إحساسه الأول والدائم بالأمل.