المقالات

شخصيات خلف الشاشات

في أول مرة تفتحت عيوننا على هذا العالم، وجدنا أنفسنا في واقع واحد… واقع ذو ألوان الزاهية وأصواته الواضحة، ونحن نندمج به بكل بساطة وثقة. إنه الواقع الذي نعيشه مع عائلاتنا، وأصدقائنا، ومحيطنا الاجتماعي… هو ذلك الواقع الذي يشكل أساس حياتنا، ومنه نستمد قوتنا وثقتنا بالذات.

ولكن، بعد فترة من السير على خطى منتظمة بدأت الأمور تتغير بشكل جذري، وتتشعب آفاق الواقع لتمتد إلى أبعاد جديدة، أبعاد مليئة بالافتراضات والاختراعات الجديدة. إنه الواقع الثاني، الواقع الذي بني على أسس الافتراض والخيال، حيث يمكننا أن نكون من غير أن نكون، ونعيش حياة موازية تماماً لحياتنا الواقعية.

هذا الواقع الثاني، المتجسد في عوالم الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، أصبح له تأثير كبير على حياتنا اليومية، حيث يمكننا أن نفقد أنفسنا فيه ونتخذ شخصيات مختلفة، ونعيش تجارب لا تنتمي إلى واقعنا الحقيقي.

فالواقع الافتراضي… ذلك الواقع الذي يختلقه البعض ويعيش فيه بشخصيات أخري مختلفة بشكل جذري عن حقيقته وطبيعته، يرتدون فيه الأقنعة ويزينون أنفسهم ويغيرون أشكالهم ويُنشئون بيئة مختلفة عن بيئتهم التي يعيشون فيها. وبمجرد أن يجلسون خلف شاشات هواتفهم يصبحون داخل ذلك العالم المريب الذي يمتلئ بكل الأشكال تاركين خلفهم كل التقاليد والأخلاق التي تميز الشخص عن الآخر… فكل شيء في هذا الواقع مباح، حرية التعبير عن الرأي مباح، و التفتح الزائد عن الحد مباح، وكل ما هو غير مألوف أيضاً مباح.

فيشبه ذلك القتل عن بعد، مثلها مثل الطائرات بدون طيار بضغطة زر واحدة يقتل العشرات الذين لا يراهم… ولكن الفاصل بين الجاني وضحيته هنا هي التكنولوجيا، هي تلك الحاجز النفسي الذي يجرأ الجاني من خلاله على تجاوز الأخلاق والعرف والقانون، وارتكاب أفعال هو ذاته يراها مشينة ومنافية تماماً للأخلاق، والدليل الاكبر على ذلك إنه يخفيها في الحقيقة ولا تظهر فقط إلا خلف الشاشة.

وهم ذاتهم نفس الأشخاص الذين ينتهزون الفرصة عبر الرسائل مخفية الهوية أو برنامج الآسك حتى يخفون هويتهم الحقيقية ومن ثمّ يفرغ سمه عن طريق شحنات الكراهية أو الغيرة أو الحقد بصورة متكررة تكاد تصل إلى درجة التنمّر، وهدفها الأوحد هو الايذاء لمجرد الايذاء.

فالشعور الزائف بالأمان خلف الشاشة يُغريهم ويجعلهم يتجاوزون بسهولة الخطوط العريضة التي لا يستطيع تجاوزها في العادة، وذلك هو ما يؤدي إلى نتائج لا تُحمد عُقباها في النهاية، لكن ما الذي يدفعهم لفعل ذلك والتنازل عما لا يجوز التنازل عنه؟ في الحقيقة هذا ما لا أجد عليه إجابة تقنعني حتى اليوم.

ففي هذا الفضاء الإلكتروني، تسير الأمور على عكس عادتها في الحقيقة، ففي حين أن الحديث في بعض المواضيع بشكل مباشر أمام عدد من الناس يبدو صعباً وخطير، إلا أن الحديث في أي شيء أسهل وأقل خطورة مما في واقعنا، لكن في الحقيقة هو العكس تماماً. فإذا كنت بحاجة للتفكير قبل التحدث بأمر مُعين لأكثر من مرة أمام مجموعة من الأشخاص، فأنت بحاجة للتفكير عشرات المرات قبل قوله في هذا العالم الافتراضي.

فلماذا يختلقون الشخصيات ويعبرون عن أنفسهم بشخصيات أخري مصطنعة؟ ولماذا يخرجون النقص فيهم خلف الشاشات؟ كل هذه أسئلة ليس لها إجابة مقنعة إلى الآن وجميعنا يبحث عن سبب حقيقي ويستحق لما يقومون به مع العلم إنه ليس هناك ما يستدعي ذلك.

 

الكاتب / طارق محمود نواب

الخميس 06 يونيو  2024 م

للأطلاع على مقالات الكاتب ( أضغط هنا )

 

زر الذهاب إلى الأعلى