إلى شركات الإنتاج… مع التحية

في كل مناسبة وطنية، تتردّد الأناشيد في البيوت، وتعلو الأغاني في الساحات، وتنبض المنصات الرقمية بحب الوطن، فالأغنية الوطنية ليست مجرد عملٍ فني، إنها ذاكرة شعب، وصوت مرحلة، وإيقاع انتماءٍ يتوارثه الجيل بعد الجيل. لكن هنالك مشكلة دائما عالقة وتظهر على السطح؛ فكثيرٌ من صنّاع المحتوى، والمصممين، وعشاق الوطن، يستلهمون مقاطع من الأغاني الوطنية ليصنعوا منها لوحاتٍ رقمية ومقاطع مرئية تعبّر عن فخرهم واعتزازهم، وهم يفعلون ذلك بدافع الحب لا الربح، وبروح المشاركة، ثم يفاجئون بإشعارات انتهاك حقوق النشر، أو تقييد حساباتهم، أو حتى إغلاقها من قبل المنصات الاجتماعية المختلفة. وهنا يبرز السؤال فهل يُعقل أن تتحول الأغنية الوطنية التي خُلقت لتكون صوتًا جامعًا إلى عائق أمام التعبير الوطني؟ وهل يُحاسَب المحبّ لأنه أعاد بثّ نبض الوطن بطريقة إبداعية غير تجارية؟ فنحن لا نقلل من قيمة حقوق الملكية الفكرية، ولا من حق شركات الإنتاج في حفظ أعمالها وصون استثماراتها، فذلك حقٌ نظامي لا جدال فيه، لكن الأغنية الوطنية لها خصوصية مختلفة، فهي ليست عملاً ترفيهيًا خاصًا فحسب، بل جزءٌ من الوجدان، ومن المشهد الاحتفالي الذي تتبنّاه الدولة ويعيشه المجتمع. وبحكم أن روتانا للموسيقى اليوم تتصدر هذا المجال، وتمتلك إرثًا واسعًا من الأغاني الوطنية المؤثرة، فإن المبادرة منها سيكون لها أثرٌ مضاعف، فخطوة مرنة منها كإتاحة استخدام مقاطع محددة في السياقات غير الربحية، أو إصدار رخصة موسمية في الأيام الوطنية، أو التنسيق مع المنصات لعدم تقييد المحتوى الوطني غير التجاري ستكون رسالة تقدير للمحبين قبل أن تكون إجراءً تنظيمياً. ومثل هذه المبادرات لا تنتقص من الحقوق، بل تعزز الحضور، وتوسّع الانتشار، وتحوّل الأغنية الوطنية إلى جسرٍ مفتوح بين الفن والجمهور، فالأغنية الوطنية كلما تداولها الناس ازدادت حياةً، وكلما صاغها الشباب في تصاميمهم ومقاطعهم اتسعت دوائر الانتماء. إن شركات الإنتاج شريكٌ في صناعة الذاكرة الوطنية، ودورها لا يقف عند حدود الإنتاج، بل يمتد إلى تمكين الناس من التعبير عن حبهم لوطنهم بأدوات العصر، فلتكن الأغنية الوطنية مساحةً مفتوحة للفخر، لا ملفًا قانونيًا يقيّد المشاعر، وليبقَ صوت الوطن عاليًا في الإذاعات، وفي المنصات، وفي قلوب أبنائه.
الكاتب / طارق محمود نواب
الأحد 22 فبراير 2026 م
للاطلاع على مقالات الكاتب ( أضغط هنا )
