الأمر إذا ضاق اتسع

الحياة الاجتماعية ليست مجرد مساحة للتعايش، بل هي مدرسة متكاملة يتلقى فيها الإنسان خبراته الأولى ويتدرج عبرها في فهم طبائع البشر وتحديات الواقع. وفي هذه المدرسة، لا تسير الأمور دائمًا على وتيرة مستقرة، بل تتقاطع الفرص مع الصعوبات، ويختبر الإنسان قدرته على التكيف بين محدودية الإمكانات واتساع الطموحات.
وأمام هذا التداخل بين الشدائد والانفراجات، تتجلى حكمة الأمثال الشعبية التي تلخص تجارب إنسانية طويلة، مثل قولهم: “رب ضارة نافعة”، و”دفعتني فنفعتني”، في إشارة إلى أن ما يبدو شرًا في لحظته قد يحمل في طياته مسارًا جديدًا للخير.
وتحضر هنا قصة موظف في القطاع العام، فضل عدم الإفصاح عن اسمه، اكتفاءً بعرض تجربته بوصفها نموذجًا تأمليًا في مسار الحياة المهنية والإنسانية. كان الرجل متميزًا في عمله، وهي ميزة كثيرًا ما تكون سيفًا ذا حدين؛ إذ تثير الإعجاب من جهة، وتوقظ المنافسة والغيرة من جهة أخرى، خصوصًا في بيئات يغلب عليها ضعف التأهيل العلمي وتفاوت الخبرات الإدارية.
وُلد الموظف عام 1382هـ في أسرة متوسطة الحال، ونشأ في بيئة أسرية مستقرة نسبيًا، محاطًا بعلاقة وثيقة مع شقيقته التي كان يعتز برأيها ويأنس لقربها منذ طفولته. تلقى تعليمه في مكة المكرمة عبر مراحل متعددة، من الابتدائية إلى الثانوية، قبل أن يلتحق بجامعة أم القرى، حيث شكّلت المرحلة الجامعية نقطة تحول في شخصيته، من خلال ما اكتسبه من معارف ومهارات، وما شارك فيه من أنشطة طلابية أسهمت في صقل قدراته وتعزيز روح العمل الجماعي لديه.
بعد التخرج، تقدم لإحدى الجهات الحكومية، حيث خضع لمقابلة شخصية أدارها مسؤول رفيع. طُرح عليه سؤال حول تفضيل العمل بالقرب من مقر السكن أو بعيدًا عنه، فكانت إجابات معظم المتقدمين تميل إلى القرب بحثًا عن الاستقرار، بينما قدّم إجابة مختلفة تقوم على أن معيار الاختيار ليس المسافة بحد ذاتها، بل طبيعة البيئة المهنية وما توفره من فرص للتعلم واكتساب الخبرة وتطوير الذات، مستشهدًا بمعنى عام من الهدي النبوي في تيسير الاختيار حين تتقارب البدائل.
كان لهذه الإجابة أثرها في ترشيحه للوظيفة، حيث التحق بالعمل بعد فترة قصيرة، وبدأ مسيرته المهنية في أرشيف الإدارة، متدرجًا بين الملفات والإجراءات، متعمقًا في قراءة المعاملات وتحليلها، ما أكسبه خبرة تراكمية في فهم العمل الإداري من جذوره. ومع مرور الوقت، خضع لبرامج تدوير وظيفي داخل الأقسام، شارك خلالها في إعداد التقارير والمحاضر، مما وسّع من إدراكه التنظيمي والإجرائي.
غير أن مسار النجاح لم يكن خاليًا من التحديات؛ فمع تميزه المهني ووضوح انضباطه، بدأت تتشكل حوله بيئة من التحفظ المهني، غذّتها فروقات المؤهلات وتباين الرؤى الإدارية، إلى جانب بعض مظاهر المقاومة الداخلية للتميز. ومع تقاعد المسؤول الذي كان يشكل عنصر توازن داخل الإدارة، ازدادت حدة التوترات، وتأخر مسار ترقياته لأسباب تنظيمية وإجرائية، في ظل تعقيدات إدارية مرتبطة بتوصيف الوظائف وتباين المسميات.
تزامن ذلك مع ضغوط شخصية متعددة، شملت اضطرابات أسرية وخلافات اجتماعية، ما جعل المشهد أكثر تعقيدًا، إلى أن صدر قرار بنقله إلى فرع إداري يبعد مسافة كبيرة عن مقر سكنه. كان القرار في ظاهره إداريًا، لكنه في أثره النفسي بدا ثقيلاً، حتى دفعه في لحظة انفعال إلى تقديم استقالته.
إلا أن مراجعة هادئة للأمور، ونصائح زملاء موثوقين، أعادته إلى التفكير مجددًا، ليتبين أن الابتعاد عن البيئة الضاغطة قد لا يكون عقوبة بقدر ما هو فرصة لإعادة التوازن. فقرر التراجع عن الاستقالة، وقَبِل بالنقل.
وفي خطوة لافتة، بادر إلى تسوية عدد من التزاماته الشخصية؛ فتنازل عن بعض ممتلكاته، وأعاد ترتيب شؤونه الخاصة، ثم توجه إلى موقع عمله الجديد. وهناك، بدأت مرحلة مختلفة تمامًا؛ بيئة مهنية أكثر اتساعًا، وعلاقات أكثر مرونة، وزملاء يتسمون بالترحاب والتعاون.
ومع مرور الوقت، أعاد بناء مساره المهني والاجتماعي، وبرز اسمه في محيطه الجديد، وتحسنت أوضاعه الوظيفية والمعيشية تدريجيًا، حتى أصبح عنصرًا فاعلًا في بيئته، يجمع بين الحضور المهني والاجتماعي، وتوسعت دائرة علاقاته داخل المجتمع المحلي.
وفي موازاة ذلك، أعيد النظر في ملفه الوظيفي في إدارته السابقة، ومع تغير القيادات، تبين عدم وجود ما يمنع ترقيته، فبدأت مسيرته الوظيفية بالتصاعد من جديد، بعد أن كانت قد توقفت لسنوات.
ما بين تجربة أولى مثقلة بالتحديات، وتجربة ثانية أكثر اتزانًا، تتضح خلاصة المشهد: أن ضيق الظروف لا يعني نهايتها، وأن ما يبدو انسدادًا قد يكون بداية لاتساع جديد. وأن الإنسان حين يراجع اختياراته بهدوء، قد يكتشف أن التحول الذي يخشاه هو في الحقيقة باب مختلف للنجاح.
يبقى الدرس الأهم أن الشدائد ليست حكمًا نهائيًا، بل محطات اختبار، وأن “مع العسر يسرًا”، وأن ما يضيق اليوم قد يتسع غدًا، حين تتغير الزوايا وتنكشف الرؤية.
الكاتب / خالد بن حسن الرويس
24 يونيو 2026