محليات

الحركة الثقافية في مكة المكرمة.. مسار تطور متدرج يعزز الحضور المعرفي ويواكب مستهدفات الرؤية

تشهد مكة المكرمة في المرحلة الراهنة حِراكًا ثقافيًا متناميًا يعكس تحولًا نوعيًا في المشهد المعرفي والفكري للعاصمة المقدسة، حيث لم تعد الثقافة نشاطًا محدودًا أو موسميًا، بل أصبحت جزءًا من منظومة تنموية متكاملة، تتقاطع مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 في بناء مجتمع حيوي، وتعزيز جودة الحياة.
ويأتي هذا الحراك امتدادًا لمكانة مكة التاريخية والدينية، ليؤكد حضورها اليوم بوصفها مدينة فاعلة في إنتاج المعرفة، واحتضان الحوار الثقافي، وتفعيل الإرث الحضاري بأساليب معاصرة.
وضمن جهود الهيئة الملكية لمدينة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة، جرى حصر ما يقارب 98 موقعًا تاريخيًا وثقافيًا في مكة المكرمة، تم تصنيف نحو 64 موقعًا منها كأولوية للتطوير والتفعيل، لتحويلها إلى منصات ثقافية مفتوحة تستضيف المعارض، واللقاءات الفكرية، والمحاضرات التوعوية، بما يعزز ارتباط المجتمع بتاريخ المدينة وهويتها، ويمثل هذا التوجه نقلة في مفهوم الحفاظ على التراث، من مجرد صون مادي إلى تفعيل ثقافي ومعرفي مستدام.
ويواصل نادي مكة الثقافي الأدبي أداء دوره الثقافي، عبر تنظيم عشرات الأمسيات الأدبية والمحاضرات الفكرية سنويًا، التي تناقش قضايا الأدب، والنقد، والهوية الثقافية، بمشاركة مثقفين وأكاديميين من داخل المملكة وخارجها، حيث شهدت أنشطة النادي توسعًا في قاعدة الحضور، لا سيما من فئة الشباب؛ مما يعكس تنامي الوعي الثقافي، واتساع دائرة التفاعل مع المنتج الأدبي والفكري.
وتضطلع جامعة أم القرى بدور محوري في دعم الحركة الثقافية، من خلال استضافة عشرات الندوات والمحاضرات الثقافية والعلمية سنويًا، وتنظيم ملتقيات فكرية وبرامج معرفية تسهم في تعزيز الحوار الثقافي وربط المعرفة الأكاديمية بالمجتمع.
وشهدت المتاحف والمعارض في مكة المكرمة تطورًا ملحوظًا بدعم من هيئة المتاحف، حيث تُنظم معارض دورية تُبرز تاريخ مكة الحضاري ومساراتها الثقافية، باستخدام أساليب عرض حديثة وتفاعلية، أسهمت في استقطاب آلاف الزوار سنويًا، وتعزيز الوعي الثقافي لدى مختلف الفئات العمرية.
وعززت المؤتمرات الفكرية والثقافية لعدد من الجهات التي نظمت خلال الفترة السابقة حضورًا ثقافيًا وفكريًا لمكة على المستوى الدولي، حيث احتضنت العاصمة المقدسة مؤتمرات كبرى ناقشت قضايا الوسطية، والاعتدال، والحوار بين المذاهب، بمشاركة مئات العلماء والمفكرين من مختلف دول العالم، حيث أسهمت هذه المؤتمرات في ترسيخ مكة المكرمة بوصفها منصة عالمية للحوار الثقافي الإسلامي، وربط البعد الديني بالمعرفة الفكرية المعاصرة
وأسهمت المواسم والفعاليات العامة في دمج الثقافة ضمن المشهد المجتمعي اليومي، وفي مقدمتها موسم شتاء مكة، الذي شهد تنظيم محاضرات فكرية وثقافية مفتوحة حول تاريخ مكة وهويتها، وأمسيات أدبية وشعرية، ورش عمل ثقافية في التوثيق التراثي والخط العربي، ومعارض تراثية مؤقتة تُبرز العادات والمهن المكية القديمة.
كما أُدرجت فعاليات ثقافية ضمن البرامج المجتمعية والمناسبات الوطنية، شملت لقاءات حوارية، وعروضًا معرفية، وأنشطة تفاعلية، ما أسهم في توسيع قاعدة المشاركة المجتمعية.
وتشير التقديرات إلى أن نسبة الحضور في الفعاليات الثقافية المصاحبة للمواسم ارتفعت بأكثر من 40% خلال الأعوام الأخيرة، مقارنة بالفترات السابقة، نتيجة سهولة الوصول وتنوع المحتوى من خلال المؤشرات نلاحظ توسع تطور الحركة الثقافية في عدد الفعاليات الثقافية السنوية، إضافة إلى تفعيل مواقع تاريخية متعددة كمراكز ثقافية، وارتفاع مشاركة الشباب في المحاضرات والندوات، وتحسّن جودة المحتوى الثقافي وتنوع مجالاته.
وتؤكد المؤشرات أن الحركة الثقافية في مكة المكرمة انتقلت من مرحلة النشاط المحدود إلى مرحلة النضج والتكامل، مدعومة بتكامل الأدوار بين الجهات الرسمية، والمؤسسات الثقافية، والجامعات، والمجتمع المحلي، لترسّخ مكة مكانتها بوصفها مدينة تجمع بين عمقها الروحي، وإرثها الحضاري، وحضورها الثقافي المتجدد.

زر الذهاب إلى الأعلى