المقالات

اللهم آلَ سعودٍ إلى يوم يُبعثون

اللهم آلَ سعودٍ إلى يوم يُبعثون ليست عبارةً تُقال، بل وعيٌ يتشكّل، وشهادةُ تاريخٍ تُقرأ بميزان الدولة، وإقرارٌ بأن القيادة حين تُدار بالعقل تتحوّل الدعوات إلى معانٍ حيّة. وهو دعاءٌ لا يستجدي نفوذًا، بل يستدعي رسالة، ولا يقف عند دوام حكمٍ، بل يمتدّ إلى دوام استقرارٍ وعدلٍ ونهضةٍ تُبنى وتُصان، فالأوطان لا يحفظها الشعار، بل يحرسها قرارٌ ناضج، ورؤيةٌ تعرف حدود اللحظة وآفاق الغد.

فمنذ أن وحّد المؤسس العظيم الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود طيب الله ثراه  هذه الأرض، لم تكن الحكاية حكاية سيفٍ يعلو، بل حكاية دولةٍ تُبنى, دولةٌ أُقيمت على التوحيد، وصيغ نظامها بالمسؤولية، وفهمت مبكرًا أن الأمن أساس العمران، وأن الإنسان غاية التنمية لا هامشها. وكانت البداية إدراكًا عميقًا لطبيعة المكان والإنسان، وأن الحكم إن لم يكن مظلّة أمان صار عبئًا، وإن لم يُدار بالعدل تحوّل إلى قلقٍ دائم.

فتعاقبت الأجيال وتبدّلت الأزمنة، وبقي جوهر الدولة ثابتًا، حفظ الدين، وصون الوطن، وخدمة المواطن، والوقوف مع القضايا العربية والإسلامية من موقع الثبات لا المزايدة. ولم تُدار الدولة بردّات فعل، ولم تُستدرج إلى ضجيج اللحظة، بل مضت بخطى محسوبة، تعرف أن الاستقرار ليس سكونًا، وأن التقدّم لا يعني القفز في الفراغ، وأن السيادة ممارسةٌ يومية لا لافتة تُرفع.

وفي الحاضر، لم تعد القيادة إدارة يومٍ بيوم، بل صناعة مستقبل؛ تحوّلات كبرى وقرارات شجاعة نقلت الدولة من منطق المحافظة الساكنة إلى فضاء المبادرة والتأثير. فهنا لا يُدار الوقت، بل يُعاد تشكيله، ولا تُلاحق الفرص، بل تُخلق، ولا تُستعار الهيبة، بل تُبنى؛ فالدول التي تحترم ذاتها تُراكم قوتها بهدوء، وتقدّم إنجازها بلا استعراض، وتدع الأثر يتكفّل بالتعريف.

والدعاء لآل سعود دعاءٌ لاستمرار دولةٍ عرفت كيف توازن بين أصالة الجذور وحداثة الرؤية، وكيف تحمي سيادتها دون ضجيج، وتبني قوتها دون استعلاء، وتقود المشهد بعقل الدولة لا بانفعال اللحظة, دعاءٌ لأن تبقى المعادلة السعودية قائمة أمنٌ يسبق التنمية، وتنميةٌ تُحصّن الأمن، وقرارٌ يُقدّر العواقب قبل أن يُعلن الاتجاه.

فاللهم آلَ سعودٍ إلى يوم يُبعثون؛ دعاءُ من أدرك أن الاستقرار نعمةٌ كبرى، وأن الأوطان لا تُدار بالعواطف، بل برجال دولةٍ يعرفون متى يتقدّمون، ومتى يصبرون، ومتى يحسمون؛ وهودعاءٌ للوطن قبل أن يكون للحكم، وللمستقبل قبل الحاضر، ولأمّةٍ رأت في هذه القيادة سندًا حين اختلّ الميزان، وصوت عقلٍ حين علا الضجيج، واتزان دولةٍ حين التبست المسارات، فكانت الإجابة فعلًا لا صدى، والحضور ثباتًا لا استعراضًا، واستقام المسار لأن القرار خرج من عمق الدولة لا من سطح اللحظة، وبقيت السعودية تمضي بثقة من يعرف طريقه، لا تُربكه العواصف، ولا تغويه الشعارات.

فاللهم آلَ سعودٍ إلى يوم يُبعثون.

دعاءُ وطنٍ عرف قدره، وحفظ عهده، وثقةُ شعبٍ أدرك أن الدولة التي تُدار بالعقل تطول أعمارها وتشتد جذورها، ويُكتب لها البقاء لأن مواقفها سبقت أقوالها، ولأن التاريخ حين يُنصِف لا يخلّد الشعارات، بل يخلّد الدول التي أحسنت الاختيار، فاللهم آلَ سعودٍ إلى يوم يُبعثون.

 

الكاتب / طارق محمود نواب

الثلاثاء 20 يناير 2026 م  

 

زر الذهاب إلى الأعلى