حذف الحياة

نحن نعيش في زمنٍ أصبح فيه كل شيء قابلًا للحذف؟
الصور، المحادثات، الذكريات المخزّنة، وحتى الأشخاص.
ضغطة زر واحدة كفيلة بمحو ما كنا نظنّه جزءًا منّا.
لكن المدهش أن أكثر ما نحاول حذفه… هو حياتنا نفسها،
ليس بالمعنى الدرامي،
بل بالمعنى الهادئ
الذي يُشبه رغبة الإنسان في الانتقال إلى نسخة أخرى منه،
نسخة لا تحمل ما أثقل كاهله في النسخة السابقة.
فالحياة لا تُحذف فعليًا،
لكننا نحذف منها ما لا يُطاق،
علاقات مُرهِقة،
مواقف أخطأنا فيها،
ذكريات أكلها الندم،
وأشخاصًا كبروا في مساحاتٍ لم تعد تسعنا.
وفي عصر السرعة،
صار الإنسان يتعامل مع ذاته كما يتعامل مع جهازه الذكي،
يُغلقه حين يضجر،
يعيد تشغيله حين يختنق،
ويحاول “مسح البيانات”
حين يشعر أن تراكمها صار أكبر من قدرته على الاحتمال.
لكن المفارقة أن ما نحذفه لا يختفي تمامًا،
بل يتحوّل إلى ملفاتٍ مخفية في الذاكرة العميقة.
فالحياة لا تتركنا نخرج من أبوابها
دون أن نمرّ على الغرف التي تركنا فيها أجزاءً منّا.
فنحن نحذف،
لكننا لا ننسى.
نُلغي،
لكننا نحتفظ بالأثر.
نُعيد البدء،
لكن من نقطةٍ جديدة تحمل آثار الإصدار القديم.
ومع الوقت،
ندرك أن”حذف الحياة”
ليس رغبة في إنهائها،
بل رغبة في إعادة كتابتها من جديد،
بنسخة أنقى،
وذاكرة أخف،
وقلبٍ يتّسع لما يستحق فقط.
فالحياة لا تُحذف…
لكن يمكن تهذيبها،
تنظيفها،
تحديثها،
وضبطها كما نضبط إعدادات جهازٍ
قرر العودة للعمل بشكلٍ أفضل.
وما يبقى
هو ما قاوم الحذف،
ما صمد رغم التعب،
ما اختارك كما اخترته،
ما لم يطلب منك أن تكون نسخة أخرى كي يقبلك.
حتى يبقى ما يشبهك دون تكلّف،
ويمنحك سلامًا لا يحتاج إلى إعادة تشغيل.
ويبقى كذلك
ما لا يُستنزف ولا يستهلك روحك،
وما يضيف إليك ولا يخصم منك،
ما يمنحك الطمأنينة دون مقابل،
ويحضر دون استئذان عند الحاجة.
فيبقى ما لا يثقل الذاكرة ولا يربك القلب،
وكما يشبه الحياة كما ينبغي أن تكون،
خفيفة…
صادقة…
ومستحقة للبقاء.
الكاتب / طارق محمود نواب
السبت 29 نوفمبر 2025م