مرّ من هنا

ليس كلُّ من عبر الطريق يُقال عنه إنه مرّ، بعضهم يخطو فيتحرّك الغبار، وبعضهم يمرّ فيتحرّك التاريخ. “مرّ من هنا” ليست جملةً عابرة تُكتب تحت صورة، ولا تعليقًا سريعًا على جدار ذاكرة، بل شهادةٌ خفية بأن المكان لم يعد كما كان. فهناك أشخاصٌ إذا دخلوا مجلسًا تغيّر إيقاع الحديث، وإذا غابوا شعرنا أن شيئًا ما انطفأ، لا لأنهم الأعلى صوتًا، ولا لأنهم الأكثر ظهورًا، بل لأن حضورهم كان صادقًا عميقًا يشبه الجذور.
فمرّ من هنا فترك على الجدار فكرة، وفي القلب طمأنينة، وفي العقل سؤالًا جديدًا. وليس المهم كم بقي، بل ماذا ترك، فكم من عابرٍ طال مكثه، وكم من مارٍّ قصُر زمنه، لكنه رسم أثرًا لا يُمحى. ففي المدارس مرّ معلمٌ ذات يوم لم يكن يشرح الدرس فقط، بل كان يزرع الثقة، فكبر طلابه وتفرّقوا في الميادين، لكنهم كلما نجحوا قالوا في سرّهم مرّ من هنا رجلٌ آمن بنا.
وفي الدار مرّ أبٌ كانت بصمته صمتًا حكيمًا ونظرةً تفهم قبل أن يُقال الكلام، رحل ربما، لكن أبناءه يسيرون في الحياة وكأن خطواته لا تزال تقودهم. وفي العمل مرّ إنسانٌ لم يبحث عن الأضواء بل عن الجودة، فلم يكن يرفع صوته بل يرفع المعايير، وحين غادر أدرك الجميع أن المكان فقد شيئًا من روحه.
“مرّ من هنا” تعني أن هناك فرقًا بين الوجود والحضور، بين البقاء والأثر، بين الاسم المكتوب والقيمة المحفورة. فالأثر لا يُقاس بعدد الصور ولا بعدد التصفيقات، بل بعدد القلوب التي اطمأنت بك، والعقول التي اتسعت بسببك، والنفوس التي أصبحت أفضل لأنك كنت قريبًا منها يومًا ما. حتى الألم قد يمرّ من هنا، يعبر حياتك حدثٌ موجع فيكسرك لحظة، لكنه يترك فيك بصيرةً أعمق ونضجًا أكبر وقوةً لم تكن تعرف أنك تملكها، فيقال بعد سنوات مرّ من هنا اختبارٌ فصنع إنسانًا مختلفًا.
فالدنيا مسرحٌ واسع والناس أدوار، لكن ليس كل ممثلٍ يترك أثرًا بعد إسدال الستار، بعضهم يُنسى مع أول مشهدٍ جديد، وبعضهم يبقى يُذكر اسمه كلما ذُكر الجمال أو الوفاء أو الشجاعة. فاسأل نفسك حين تمرّ من هنا ماذا سيبقى؟ وهل سيقولون كان حاضرًا ثم غاب، أم سيقولون مرّ من هنا فجعل المكان أصدق، والحديث أعمق، والقلوب ألين؟ فالحياة قصيرة لكن الأثر طويل، والزمن يمحو التفاصيل لكنه يحتفظ بالبصمات الصادقة، فمرّ كما يمرّ الضوء هادئًا لكن كافيًا ليكشف الطريق، ومرّ كما تمرّ النسمة لا تُرى لكنها تُشعر الجميع بالراحة، ومرّ من هنا واترك وراءك كلمةً تُصلح وموقفًا يُنصف وأثرًا يُذكر بخير، فربما بعد أعوام وفي لحظة حنين يشير أحدهم إلى مكانٍ ما ويبتسم قائلًا “مرّ من هنا إنسانٌ لا يُنسى”.
الكاتب / طارق محمود نواب
السبت 07 مارس 2026 م
للاطلاع على مقالات الكاتب ( أضغط هنا )
