من يزرع السمّ في رأسك؟

الأفكار المسمومة لا تدخل حياتنا من الأبواب الواسعة، بل تتسلل من الشقوق الصغيرة التي نغفل عنها. فلا تأتي وهي تعلن عن نفسها، ولا تحمل لافتة تحذير، بل ترتدي ثوب المنطق أحيانًا، وثوب الحذر أحيانًا أخرى، حتى نظنها جزءًا طبيعيًا من تفكيرنا. لكنها في الحقيقة تعمل بصمت، فتُوهن الروح ، وتُربك التوازن، وتشوّه البصيرة دون أن نشعر.
فالفكرة المسمومة ليست مجرد خاطر عابر، بل هي تفسير سلبي مستمر، وعدسة قاتمة ننظر من خلالها إلى أنفسنا والآخرين والحياة. وهي تلك الجملة التي تتكرر في الأعماق “لن أنجح”، “لا أحد يقدّرني”، “الدنيا ضدي”، “كل الناس سيئون”، “التغيير مستحيل”. فمع الوقت، تتحول هذه العبارات إلى قناعات، والقناعات إلى سلوك، والسلوك إلى مصير.
فخطورة الأفكار المسمومة أنها لا تبقى في حدود الذهن، بل تمتد لتصنع قراراتنا، وتؤثر في علاقاتنا، وتحدد مستوى طموحنا. ففكرة واحدة غير صحيحة قد تحرم إنسانًا من فرصة، أو تُفسد علاقة، أو تُطفئ شغفًا كان يمكن أن يغيّر مسار حياته. وكثير من الخسارات لا تكون بسبب ضعف القدرة، بل بسبب فكرة خاطئة صدقناها دون تمحيص.
فتتكوّن هذه السموم الفكرية من مصادر متعددة، كتجربة فشل لم نفهمها جيدًا، اومقارنة مستمرة بالآخرين، اوأجواء تُسقي الارتياب، وخطاب يُكثّف الغيم فوق سماء الأحداث. ، أو حتى صدمة قديمة لم تُعالج. ومع التكرار، تصبح الفكرة السلبية مألوفة، وما كان غريبًا في البداية يصبح “حقيقة” في نظرنا.
وهنا يظهر دور الوعي بوصفه خط الدفاع الأول. فالوعي ليس مجرد معرفة نظرية، بل هو يقظة جوهرية ، وقدرة على ملاحظة ما يدور في الذهن دون اندفاع. فأن تقول لنفسك، هل هذه الفكرة حقيقة أم مجرد تفسير؟ وهل لدي دليل عليها؟ وهل هناك زاوية أخرى للنظر؟ فهذه الأسئلة البسيطة قد تنقذنا من الوقوع في فخ التصديق الأعمى.
فمحاربة الأفكار المسمومة لا تعني إنكار المشاعر، ولا تجاهل الألم، بل تعني إعادة قراءة الفكرة نفسها. حيث يمكن تحويل “فشلت” إلى “تعلمت”، و”لا أستطيع” إلى “لم أتقن بعد”، و”انتهى كل شيء” إلى “هذه مرحلة وستمر”. فالفرق بين العجز والقوة ليس دائمًا في الظروف، بل في الفكرة التي نفسر بها الظروف.
كما أن البيئة الواعية تحمي العقل، بصحبة إيجابية، وقراءة نافعة، ومحتوى يرفع لا يُحبط، فحوار صادق مع النفس، ومراجعة مستمرة للقناعات. فالعقل مثل الأرض، إن تُرك بلا عناية نبتت فيه الأعشاب الضارة، وإن اعتُني به أثمر وعيًا ونضجًا.
فالأفكار المسمومة قد لا نستطيع منعها من المرور، لكننا نستطيع منعها من الاستقرار. فليست كل فكرة تستحق أن تُصدّق، ولا كل خاطر يستحق أن يُبنى عليه قرار. فالقوة الحقيقية تبدأ حين ندرك أن عقولنا ليست ساحة مفتوحة لكل عابر، بل مساحة مسؤولية.
وحين ينتصر الوعي، يتراجع السم. وحين تتضح الرؤية، ينحسر التشويش. وعندها ندرك أن أخطر معركة في الحياة لم تكن مع العالم من حولنا ، بل مع فكرة كامنة كان يمكن أن تهزمنا لو لم ننتبه لها في الوقت المناسب.
الكاتب / طارق محمود نواب
الخميس 12 فبراير 2026 م