المقالات

يوم التأسيس… حين بدأ الضوء من الدرعية

ليس للأمم أيامٌ عابرة في ذاكرتها، فلكل أمة لحظات فاصلة تُشكّل وعيها الجمعي، وتبني هويتها، وترسم مسارها الحضاري، ويوم التأسيس في المملكة ليس مجرد مناسبة وطنية تُستعاد فيها الذكريات، بل هو لحظة تاريخية عميقة الجذور، تختصر قرونًا من الإرهاصات، وتُجسّد ميلاد دولة بكيانها الاجتماعي والمكاني والسياسي.

إنه يوم السعد، والسعد الطالع في معناه ونتائجه؛ يومٌ تتلاقى فيه الذاكرة مع الحاضر، وتتعانق فيه البدايات مع المنجزات، ويستعيد فيه الوطن قصة نشأته الأولى، حين بزغ فجر الدولة من قلب نجد، من الدرعية، حاملاً مشروعًا إصلاحيًا وحضاريًا سبق عصره.

في الثاني والعشرين من فبراير عام 1727م، الموافق الثلاثين من جمادى الآخرة سنة 1139هـ، أعلن الإمام محمد بن سعود قيام الدولة السعودية الأولى، إيذانًا بولادة كيان سياسي مستقل، يستند إلى عقيدة التوحيد، ويطمح إلى بناء مجتمع منظم، ودولة عادلة، وهوية راسخة.

لكن هذا اليوم لم يكن وليد لحظة مفاجئة، بل ثمرة مسار طويل من التهيؤ التاريخي، فالدرعية نفسها لم تولد مع الدولة، بل سبقتها بقرون.؛ إذ تعود جذور الاستقرار فيها إلى منتصف القرن التاسع الهجري تقريبًا، حين قدم مانع بن ربيعة المريدي إلى وادي حنيفة، وأسّس نواة الإمارة في حيّي غصيبة والمليبيد.

ومن هناك بدأت تتشكل معالم السلطة المحلية، وتتراكم الخبرة السياسية والاجتماعية، جيلاً بعد جيل، في بيئة قبلية متقلبة، تتطلب الحكمة، والصبر، والقدرة على إدارة التوازنات.

كانت تلك المرحلة إرهاصات دولة، لا دولة مكتملة.. سلطة تتبلور، ومجتمع يتماسك، ومكان يُعاد بناؤه على مهل.

تعاقب الحكام في الدرعية، وتوارثوا مسؤولية الإدارة والحماية وتنظيم شؤون الناس، حتى جاء الإمام محمد بن سعود، فجمع بين الإرث السياسي المتراكم، والرؤية المستقبلية، والقدرة على التحول من إمارة محلية إلى دولة ذات مشروع واضح.

وفي لحظة تاريخية فارقة، تلاقى المسار السياسي مع المسار الديني، حين تم الاتفاق بين الإمام محمد بن سعود والشيخ محمد بن عبدالوهاب، فكان ذلك التحالف نقطة الانطلاق الحقيقية للدولة السعودية الأولى: سلطة زمنية تحمي الدعوة، ودعوة إصلاحية تؤسس للشرعية، في نموذج نادر من التكامل بين السياسة والقيم.

 

من الدرعية انطلق المشروع.. مشروع تنظيم الحياة الاجتماعية، وبناء الإنسان، وترسيخ الأمن، وإشاعة العلم، وتأمين طرق التجارة والحج، وتوحيد معظم أنحاء نجد، ثم التوسع خارجها، ولم يكن التمدد العسكري هدفًا في ذاته، بل وسيلة لبسط الاستقرار، وإنهاء حالة التشرذم، وبناء كيان موحد.

وفي عهد الأبناء والأحفاد، بلغ نفوذ الدولة السعودية الأولى مدى واسعًا، امتد من أطراف الشام شمالًا إلى بحر العرب جنوبًا، ومن الخليج شرقًا إلى البحر الأحمر غربًا، كانت الدولة في أوجها مشروعًا حضاريًا متكاملًا: إدارة للموارد، تنظيم للمجتمع، نشر للعلم، حماية للأمن، وبناء للمكان.

وحين ننظر اليوم إلى تلك المرحلة، ندرك أن يوم التأسيس لم يكن مجرد إعلان حكم، بل إعلان رؤية.. رؤية تقوم على التوحيد، والعدالة، والإنصاف، واحترام النظام، وبناء اللحمة الاجتماعية، وصيانة الهوية، ومحاربة الفساد بكل صوره، والارتقاء بالإنسان بوصفه جوهر التنمية وغايتها.

لقد حملت الدولة السعودية الأولى رسالة إصلاحية واضحة، جعلت من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر منهجًا للحياة، ومن التعليم ونشر الوعي ركيزة للاستقرار، ومن الأمن أساسًا لكل عمران، وزُوّدت تلك الرسالة بقوة سياسية قادرة على حمايتها وترسيخها في الواقع.

ومن رحم تلك التجربة الأولى، تعاقبت أطوار الدولة السعودية: الأولى، ثم الثانية، ثم الثالثة، حتى استقرت في شكلها الحديث، دولةً ذات سيادة، ومؤسسات، واقتصاد متنامٍ، ومكانة إقليمية ودولية.

إن ما نعيشه اليوم من أمن واستقرار وتنمية وازدهار، ليس حدثًا منفصلًا عن الماضي، بل امتداد طبيعي لذلك التأسيس المبكر، فثمار يوم التأسيس نقطفها حاضرًا، ونستشرف بها مستقبلًا.

يوم التأسيس هو لحظة وعي تاريخي، نقرأ فيها الماضي لا بوصفه سردًا للأحداث، بل بوصفه قصة أمة، وصبر رجال، وتراكم تجارب، وإرادة بناء. هو يوم نُدرك فيه أن هذه الدولة لم تُبنَ على الفراغ، ولم تولد من المصادفة، بل قامت على رؤية، وتحالف قيم، وتضحيات، وعمل طويل النفس.

هو يوم نستحضر فيه كيف بدأ البناء من الإنسان قبل المكان، ومن العقيدة قبل السياسة، ومن النظام قبل الاتساع، وكيف تشكّلت ملامح الهوية الوطنية الأولى في الدرعية، ثم امتدت لتشمل أرجاء الجزيرة العربية، حتى أصبحت واقعًا سياسيًا واجتماعيًا لا يمكن تجاهله.

واليوم، ونحن نحتفي بيوم التأسيس، فإننا لا نستحضر الماضي لمجرد الاستذكار، بل لنؤكد الاستمرارية: استمرارية المشروع الوطني، واستمرارية البناء، واستمرارية الطموح.

نحتفي بيوم التأسيس لأننا نؤمن بأن جذورنا عميقة، وأن مسيرتنا لم تبدأ بالأمس، وأن ما نعيشه من نهضة شاملة في الإنسان والمكان هو امتداد طبيعي لتلك اللحظة الأولى التي بزغ فيها الضوء من الدرعية.

 

هو يوم نجدد فيه العهد على مواصلة المسير، وعلى حماية المنجز، وعلى تعميق قيم الانتماء والولاء، وعلى بناء مستقبل يليق بتاريخنا.

 

دام الوطن عزيزًا،

ودامت قيادته الرشيدة،

وبقيت الدرعية رمز البداية،

ويوم التأسيس شاهدًا على ميلاد دولة، ومسار حضارة.

 

 

الكاتب / خالد بن حسن الرويس

زر الذهاب إلى الأعلى