ذاكرة الطين

هناك أشياء لا تحفظها الكتب ولا تؤرّخها السجلات ، بل تختزنها الأرض نفسها في مسامّها، في تشققاتها، في رائحة المطر حين يلامسها. فالطين ليس مجرد مادةٍ أولى للبناء، ولا بقايا مطرٍ يابس، ولا أثر أقدامٍ على دربٍ قديم، فالطين ذاكرة، والذاكرة حين تكون من طين تكون حيّة، نابضة، قادرة على أن تستعيد الزمن كلما لامستها يدٌ مشتاقة أو عينٌ تبحث عن بدايتها الأولى.
ففي القرى التي وُلدت من ترابها، كان البيت لا يُبنى بالحجارة وحدها، بل بعرق الرجال، ودعاء الأمهات، وصبر المواسم. حيث كانت الجدران الطينية تتنفّس، تمتصّ حرّ القيظ، وتحتفظ بدفء الشتاء، وتحفظ في مسامّها ضحكات الأطفال، وخطوات الجدّ وهو يتوكأ على عصاه، وهمسات الجدّة عند الفجر وهي تُعدّ خبز التنور. فهناك، لم يكن الطين صامتًا، بل كان شاهدًا, شاهدًا على أفراحٍ بسيطة، وعلى أحزانٍ مرّت كالغيم ثم انقشعت، وعلى أحلامٍ بدأت صغيرةً كقبضة تراب ثم كبرت حتى لامست السماء.
فذاكرة الطين لا تُخطئ، تعرف من مرّ من هنا، ومن غاب، ومن عاد بعد غيابٍ طويل ليضع كفّه على جدارٍ قديم كأنه يصافح عمره الأول. وكم من جدارٍ طينيٍّ شهد ولادة حلم، وسمع أول بكاءٍ لطفلٍ ليكبر فيصنع أثرًا، أو قلمًا يكتب، أو وترًا يعزف، أو موقفًا ثابتًا لا ينحني. فالمجد الحقيقي لا تبدأ من ناطحات السحاب، بل من جدارٍ طينيٍّ بسيط تعلّمت عنده الأجيال معنى الظلّ، ومعنى الجيرة، ومعنى أن يكون للبيت روح، وأن يكون للإنسان جذور.
والطين حين يجفّ لا يموت, بل يتصلّب ليحمي ما بداخله. وهكذا هي الذاكرة، قد تبدو ساكنة، لكنها تخبئ تحت سطحها نار الشغف ودفءَ الانتماء. وحين يهطل المطر، تعود الرائحة التي لا تُخطئها القلوب، رائحة البداية، رائحة الأرض حين تعترف بأنها أمٌّ لكل العابرين فوقها.
ففي زمنٍ تتسارع فيه المدن وتعلو الأبراج وتختلط الوجوه، يبقى للطين صوته الخافت الذي يهمس “من هنا بدأ كل شيء”. من حفنة تراب شُكّلت بيدٍ عظيمة، ومن جدارٍ أقيم ليستر عائلة، من فناءٍ صغير احتضن أولى الخطوات وأولى الضحكات. فهناك تتكوّن الحكايات التي لا تبهت، لأن جذورها ليست في الورق بل في الأرض.
فذاكرة الطين ليست حنينًا عابرًا، بل بوصلة. تذكّرنا أن الصلابة لا تعني القسوة، وأن البساطة لا تعني الفقر، وأن العظمة قد تولد من بيتٍ متواضع سقفه من جذوع، وجدرانه من تراب، لكن قلبه ممتلئ بالإيمان والحب والعمل. فمن عرف قيمة الطين، عرف أن الأرض التي احتضنته يومًا قادرة أن تمنحه كل مرةٍ بدايةً جديدة.
