المقالات

أم كلثوم بنت عقبة… حين يهزم الإيمان نسب القبيلة

 

في التاريخ الإسلامي قصص تتجاوز حدود السرد إلى معانٍ إنسانية عميقة؛ قصص تكشف كيف يستطيع الإيمان أن ينتصر على قيود النسب والبيئة والسلطة الاجتماعية. ومن بين تلك القصص تبرز حكاية شابة قرشية لم تتجاوز السادسة عشرة من عمرها، لكنها سطّرت موقفاً ظل خالداً في صفحات القرآن الكريم. إنها أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط رضي الله عنها.

 

كانت أم كلثوم فتاة مؤمنة بالرسالة المحمدية في سنواتها الأولى، أي في بدايات الدعوة المكية. وعلى الرغم من صغر سنها، عُرفت برجاحة العقل وقوة الشخصية، حتى إنها خالفت بيتها وقبيلتها جميعاً لتختار طريق الإيمان. فوالدها هو عقبة بن أبي معيط، أحد أشد خصوم النبي صلى الله عليه وسلم وعدائه، حتى وصفته الروايات التاريخية بأنه من “أشقى القوم”.

 

في المقابل، كانت أمها أروى بنت كريز القرشية، وهي أيضاً أم الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه من زوجها الأول عفان بن أبي العاص. وبذلك كانت أم كلثوم أختاً لعثمان بن عفان من الأم، أحد العشرة المبشرين بالجنة وثالث الخلفاء الراشدين.

 

تروي كتب السيرة أن عقبة بن أبي معيط اشتهر بعدائه الشديد للنبي صلى الله عليه وسلم، فقد آذاه مراراً، ومن ذلك أنه وضع سلا الجزور على ظهره وهو ساجد، كما حاول خنقه بردائه أثناء الصلاة، بل وبصق في وجهه الشريف. ومع كل هذا العداء، شاءت حكمة الله أن يخرج من صلب هذا الرجل ابنة موحّدة مؤمنة، لتكون شاهداً على أن الهداية ليست رهينة النسب.

 

كتمت أم كلثوم إيمانها فترة طويلة خوفاً من بطش أبيها وإخوتها وقومها. ومع هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، كانت تتوق إلى اللحاق به، لكن صغر سنها وقسوة البيئة المحيطة بها جعلاها عاجزة عن تحقيق ذلك في البداية.

 

ثم جاءت غزوة بدر، فقُتل أبوها عقبة بن أبي معيط وهو على كفره. وحين بلغها الخبر، لم يكن أول ما سألت عنه مصير أبيها، بل سألت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما قيل لها إنه سالم منتصر، قالت كلمات تكشف عن عمق إيمانها: “كل مصيبة تهون دون أن يمس رسول الله سوء.”

 

كبرت الفتاة وبلغت سن الزواج، وتقدم لها عدد من شبان قريش، لكنها رفضت. لم يكن حلمها الزواج أو المكانة الاجتماعية، بل كانت غايتها أن تعيش في ظل الإسلام وأن تهاجر إلى المدينة حيث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

غير أن حدثاً سياسياً كبيراً كاد أن يغلق الطريق أمامها، وهو صلح الحديبية. فقد نصّ أحد بنوده على إعادة من يأتي من مكة مسلماً إلى المدينة دون إذن وليه. وحين سمعت أم كلثوم بذلك، أدركت أن هجرتها قد تصبح مستحيلة، وربما تُعاد إلى مكة حيث ينتظرها الأذى والاضطهاد.

 

لكن الإيمان الذي ملأ قلبها دفعها إلى قرار جريء. خرجت من مكة وحدها، شابة في نحو السادسة عشرة من عمرها، تقطع طريقاً طويلاً ووعراً بين مكة والمدينة في ظلام الليل، غير عابئة بالمخاطر أو بالمصير الذي قد ينتظرها إن أُعيدت إلى قومها.

 

وصلت أم كلثوم إلى المدينة المنورة، ووقفت بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم. وهنا برزت معضلة شرعية: كيف يفي النبي بعهده مع قريش وفق شروط صلح الحديبية، وفي الوقت نفسه يحمي مؤمنة هاجرت بدينها؟

 

كان النبي صلى الله عليه وسلم ينتظر حكم الوحي، حتى نزل قول الله تعالى في سورة الممتحنة:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ… فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ (الممتحنة: 10).

 

كانت هذه الآية الكريمة بمثابة الفرج الإلهي؛ إذ أمر الله بعدم إعادة المؤمنات إلى الكفار، فبقيت أم كلثوم في المدينة، وأصبحت قصتها سبباً في نزول حكم قرآني يتلى إلى يوم القيامة.

 

ولم يضِع صبرها وثباتها. فقد تزوجت لاحقاً من الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، أحد العشرة المبشرين بالجنة، ومن كبار صحابة النبي صلى الله عليه وسلم وأثرياء المدينة وأشرافها.

 

إن قصة أم كلثوم بنت عقبة ليست مجرد حادثة في السيرة النبوية، بل درس عميق في معنى الإيمان والاختيار الحر. فهي نموذج لفتاة شابة اختارت طريق الحق رغم أن بيتها كان في معسكر الخصومة مع الإسلام. وبين أبٍ اشتهر بعدائه الشديد للدعوة، وابنةٍ أصبحت مثالاً للثبات على الإيمان، تتجلى حقيقة قرآنية واضحة:

أن الهداية بيد الله وحده، يخرج بها من يشاء من عباده، حتى ولو نشأ في بيئة معادية للإيمان.

 

هكذا تبقى سيرة أم كلثوم بنت عقبة شاهداً على أن قوة العقيدة قد تتغلب على كل القيود: قيود القبيلة، والسلطة، والخوف. وهي رسالة خالدة مفادها أن طريق الحق قد يبدأ بخطوة شجاعة من قلب مؤمن، حتى لو سار صاحبه فيه وحيداً.

 

بقلم: خالد حسن الرويس

الثلاثاء 10 مارس 2026 م

زر الذهاب إلى الأعلى