المقالات

من “الاعتلال” إلى “الاستشفاء” نحو ثورة لغوية في المنظومة الصحية

تُجمع الدراسات النفسية والسلوكية الحديثة على أن الكلمات ليست مجرد أدوات للتواصل، بل هي قوالب تُشكل الإدراك وتوجه السلوك الإنساني. فالألفاظ ذات الحِمل الدلالي السلبي غالباً ما تُرسّخ مشاعر العجز والضعف، في حين أن استبدالها بمصطلحات إيجابية يمنح الإنسان طاقة تعبيرية تُحفّز المرونة النفسية.

هذا النهج الإنساني الرفيع ليس وليد اليوم؛ بل هو أصلٌ أصيل في المنهج النبوي الشريف؛ حيث كان الرسول ﷺ سبّاقاً إلى تغيير الأسماء السلبية وغير المستحبة للأفراد والأماكن وحتى الأمراض، مُستبدلاً إياها بأسماء تشيع التفاؤل وبث الأمل في النفوس.

وتأسيساً على هذا الوعي السلوكي، خطت العديد من الجهات والمؤسسات خطوات متقدمة في إعادة هندسة مسمياتها؛ فعلى سبيل المثال، أحدثت المؤسسات الإصلاحية نقلة نوعية بتحويل مسمى “السجون” إلى “الإصلاحيات”، ومسمى “السجين” إلى “النزيل”، و”العنبر” إلى “الجناح”. هذه القفزة الدلالية لم تكن مجرد تغيير شكلي، بل تحولاً جذرياً في الفلسفة المؤسسية التي تهدف إلى إعادة التأهيل والدمج المجتمعي بدلاً من العقاب المحض.

وبناءً على المعطيات السابقة، تبرز وزارة الصحة كأولى الجهات المعنية بتبني هذا النهج المتطور؛ فالبيئة العلاجية هي الأكثر احتياجاً للدعم النفسي وبث روح الأمل. إن إعادة صياغة المسميات التقليدية داخل أروقة المستشفيات يمثل ركيزة أساسية في مشروع “أنسنة الخدمات الصحية”، ومن المقترحات التطبيقية في هذا الصدد:

 تحويل مسمى “المريض” إلى “الحالة”: لتجريد التسمية من صفة العجز الدائم، والتعامل مع الأمر كظرف طارئ وقابل للتغيير.

 استبدال “شؤون المرضى” بـ “شؤون الحالات”: بما يضمن تقديم رعاية إدارية وإنسانية بمفهوم أكثر حيادية ودعماً.

 تغيير “أقسام التنويم” إلى “أقسام الاستشفاء”: لما تحمله كلمة (استشفاء) من دلالة على السعي نحو التعافي، وصياغة عقلية واعية تترقب الشفاء والخروج، بدلاً من عقلية الركود المرتبطة بـ (التنويم).

إن هذه الدعوة موجهة إلى وزارة الصحة، وهي المؤسسة التي طالما عهدناها سبّاقة إلى التطوير، وحريصة على مواكبة أحدث الاستراتيجيات العالمية في رعاية الإنسان. إن تبني مثل هذه التحولات اللغوية سينعكس إيجاباً على الروح المعنوية للمستفيدين، ويدعم جودة الحياة الإنسانية، ويُسهم في بناء بيئة صحية واعية تصنع الشفاء بالكلمة والفعل معاً.

 

بقلم: سلمان بن ظافر الشهري

زر الذهاب إلى الأعلى