صومعة الوقت

ليس الوقت ظلًا ينساب على جدار العمر ولا نهرًا تمضي مياهه ثم تنقضي بل هو صومعة تتخفى في قلب الوجود لا يلجها إلا من أيقن أن الحياة ليست عدد الأيام وإنما مقدار ما تلد الأيام من معنى.
ففي تلك الصومعة لا يسمع الإنسان قرع الساعات بل يسمع وقع خطاه على أرض مصيره. فهناك تتجرد اللحظة من زينتها وتغدو مرآة صافية لا تعكس إلا حقيقة صاحبها. فمن حمل إليها قلبًا يقظًا عاد منها أكثر امتلاء ومن دخلها بروح غافلة خرج منها كما دخل إلا أن شيئًا من عمره قد انطفأ.
والوقت لا يسلب أحدًا شيئًا وإنما يكشف المستور. فهو لا يسرق الأحلام بل يفضح الذين أضاعوها ولا يقتل المواهب بل يعري من هجرها ولا يخذل الطامحين بل يتركهم أمام حقيقة سعيهم. إنه قاض لا يرفع صوته وحاكم لا يحتاج إلى شهود لأن الوقائع كلها مكتوبة في صحائف الأيام.
وما أعجب الإنسان حين يخاصم الزمن وهو في الحقيقة يخاصم نفسه. حيث يلوم الساعات لأنها مضت وينسى أنه هو الذي مر بها دون أن يودع فيها أثرًا. فالوقت لا يعرف الفراغ وإنما الفراغ هو الذي يسكن النفوس حين تعجز عن أن تجعل من اللحظة بذرة لمستقبل يليق بها.
وفي صومعة الوقت تتقزم الضوضاء وتخفت الألقاب وتسقط الزينة التي تخدع الأبصار. فلا يبقى إلا العمل وقد استحال شهادة ولا يبقى إلا الخلق وقد صار راية ولا يبقى إلا الفكر وقد تحول إلى ميراث. فهنالك يدرك المرء أن البقاء لا تمنحه الأعمار الطويلة بل تمنحه الرسائل الصادقة التي تواصل سيرها بعد أن يغيب أصحابها.
فالزمن لا يلتفت إلى من يكثر الحديث عن الغد وإنما ينحاز إلى من يبني الغد في صمت. فالأشجار لا تعلن عن نموها والفجر لا يفاخر بولادته والنجوم لا تطلب التصفيق وهي تنثر هدايتها في العتمة. وكذلك العظماء لا يصنعون مجدهم في ساحات الضجيج بل في خلواتهم حيث تتشكل الإرادة ويشتد عود البصيرة.
فإذا أردت أن تعرف مقامك عند الوقت فلا تعد سنواتك بل انظر ماذا أبقيت فيها من نور. فإن العمر لا يقاس بما انقضى منه بل بما بقي شاهدًا عليك. فكل يوم يخلو من معنى هو صفحة بيضاء طواها الدهر دون أن يجد فيها ما يستحق أن يرويه للأجيال.
لهذا كانت صومعة الوقت أعظم مدارس الحكمة لأنها لا تلقن درسًا بلسان وإنما تكتبه على صفحة العمر. فمن قرأه بالبصيرة صار سيد أيامه ومن أعرض عنه بقي أسيرًا لساعات تمضي ولا تمضي معه إلى حيث يليق بالإنسان.
الكاتب / طارق محمود نواب
الخميس 23 يوليو 2026 م
للاطلاع على مقالات الكاتب ( أضغط هنا )




