المقاهي الأدبية

ليست المقاهي الأدبية أمكنةً عابرة تُقاس بعدد الطاولات، ولا فضاءاتٍ حيادية تُختصر في فنجان قهوةٍ وبضع كراسٍ خشبية، إنها ذاكرةٌ مفتوحة، ومسرحٌ صامتٌ للفكرة حين تتشكّل، وللكلمة وهي تُجرّب صوتها الأول قبل أن تخرج إلى العالم. ففي المقهى الأدبي، تجلس اللغة على مهل، تخلع استعجالها، وتفرد معانيها على الطاولة، تُراجع نفسها، تُخطئ، تُصيب، ثم تنضج. فهناك، لا يُقاس الزمن بعقارب الساعة، بل بعدد الأفكار التي وُلدت، وبحجم الأسئلة التي كبرت.
فالمقاهي الأدبية تشبه العقول الحرة، مفتوحة النوافذ، متعددة الأصوات، لا تخشى الاختلاف ولا تصادر الرأي، فتستضيف الشك كما تستضيف اليقين، وتمنح الجدل مقعدًا يليق به دون أن يتحول إلى خصومة. في زواياها وُلدت مقالات لم تُكتب بعد، وقصائد كانت تجهل أنها قصائد، وحكايات خرجت من فم الصمت لا من ضجيج المنابر. وكم فكرةٍ عظيمة بدأت همسًا بين فنجانين، وكم مشروع فكرٍ تشكّل من نقاشٍ عابر ظنّه أصحابه بلا أثر.
فالمقهى الأدبي لا يصنع المثقف، لكنه يمنحه مرآةً يرى فيها نفسه بوضوح،حيث يرى نُبل السؤال وخطورة الإجابة، ويدرك أن المعرفة لا تزدهر في العزلة وحدها، بل في الاحتكاك، وفي الإصغاء، وفي قبول أن يكون الآخر شريكًا في المعنى لا خصمًا عليه. وهو أيضًا مختبرٌ خفيٌّ لتجريب الأفكار قبل أن تُمنح شرعية الظهور، ففيه يتعلّم الرأي كيف يقف على قدميه دون عكّاز التصفيق، وتتدرّب الجرأة على قول المختلف بلا خوفٍ ولا ادّعاء.
فالمقهى الأدبي مساحةٌ يُعاد فيها تعريف الصداقة بوصفها حوارًا لا تطابقًا، ويتصالح فيها الكاتب مع بطئه لأن المعنى لا يُستعجل. فتحت ضوءٍ خافت، تُصقل اللغة كما تُصقل الأرواح في لحظات الصدق، وتُكتب بعض النصوص في الهواء قبل أن تُكتب على الورق. وحين تخفت الأصوات مع اقتراب المساء، تبقى الطاولات شاهدة، تحفظ أسرار الكلمات التي لم تُقال، وتبتسم للأحلام التي غادرت على وعدِ عودة.
فتلك هي المقاهي الأدبية, أماكن لا تُغلق أبوابها حين تُطفأ الأنوار، لأنها في حقيقتها تفتح داخل الإنسان، وتتركه أقلَّ وحدة، وأكثر وعيًا، وأشدَّ اقترابًا من ذاته، وكأنها وعدٌ غير معلن بأن الفكر، متى وجد مكانه، لا يضيع.
الكاتب / طارق محمود نواب
الجمعة 16 يناير 2026 م
للاطلاع على مقالات الكاتب ( أضغط هنا )
