ثقافة الترند

ليس الترند حدثًا، بل حالة زمنية، شيءٌ يشبه التيّار، لا يُرى بوضوح، لكن أثره يُقاس بما يتركه خلفه من تغيّر في طريقة الالتفات، وفي معنى الاهتمام نفسه. فما يُسمّى بالترند ليس سوى لحظة اصطفاف جماعي حول نقطة واحدة، قبل أن تُستبدل بنقطة أخرى، بذات الحماسة، وبذات الخفّة، وكأن الذاكرة لم تُخلق إلا لتُعاد تهيئتها كل مرة.
وفي هذا السياق، لا تتحرّك الأفكار من العمق إلى السطح، بل من السطح إلى سطحٍ آخر. فلا تُختبر، بل تُستعرض، ولا تُستوعَب، بل تُجاوَز. كأن المعنى لم يعد غاية تُطلب، بل عبئًا مؤجلًا لصالح الظهور السريع، والالتقاط الخاطف، والانطباع الذي يسبق الفهم.
فثقافة الترند لا تُقصي المعنى عمدًا، لكنها تُرهقه. تمنحه زمنًا أقصر من أن يكتمل، ومساحة أضيق من أن يتجذّر. وحين لا يجد ما يكفي من الوقت ليُقيم، يرحل، تاركًا خلفه أثرًا يشبه الصدى, مسموعًا بلا مصدر، وكثيرًا بلا وزن، وكأن الضجيج أصبح بديلًا عن الامتداد.
وهكذا، يُعاد ترتيب الانتباه لا وفق ما يستحقه، بل وفق ما يصمد للحظة أطول في دائرة الضوء. فالصدارة لا تعني الرسوخ، والانتشار لا يعني الامتداد. إنها حركة كثيفة بلا تاريخ، تَعبُر ولا تُقيم، وكأن الذاكرة لم تعد وظيفة ضرورية، بل خيارًا يمكن الاستغناء عنه متى ازدحم المشهد.
وفي هذا المشهد، تتقلّص المسافة بين الرأي والانفعال، حتى يكادا يلتبسان. فتُقال الأشياء قبل أن تُفكَّر، وتُتداوَل قبل أن تُفهم. لا لأن الفهم غائب، بل لأن الزمن لا ينتظره. فاللحظة أقوى من السؤال، والسرعة أقسى من التأمّل، والتوقّف يُعدّ تخلّفًا عن الإيقاع.
فالترند لا يُنتج أزمة بحد ذاته، لكنه يكشف هشاشة الاستقرار المعرفي، ويُظهر مدى قابلية المعنى للتبدّد حين لا يجد بيئة تحتمله. فما لا يُحمَل ببطء، لا يبقى طويلًا، مهما ارتفع صداه، ومهما تكرّر حضوره في الواجهة.
ولهذا، فإن العلاقة مع الترند ليست علاقة قبول أو رفض، بل علاقة وعي بالمسافة، بأن يُرى دون أن يُحتكم إليه، وأن يُتابَع دون أن يُتَّخذ معيارًا. فليس كل ما يمرّ يستحق أن يُقيم، وليس كل ما يلمع يصلح أن يكون مرجعًا، وبعض الأشياء لا تأتي إلا لتختبر قدرتنا على ألّا نتبعها.
وفي زمنٍ تُقاس فيه الأشياء بسرعة تداولها، يظل المعنى الحقيقي هو ذاك الذي لا يُستعجل، ولا يطلب الصدارة، ولا يحتاج إلى لحظة ازدحام كي يُثبت حضوره، فالمعنى الذي يبقى بعد انطفاء الضوء، لا ذاك الذي يختفي معه.
الكاتب / طارق محمود نواب
الخميس 29 يناير 2026 م
