المقالات

على المكشوف

على المكشوف, هكذا فقط يمكن للأشياء أن تُرى بحقيقتها، بلا رتوش، بلا تلطيف لغوي، وبلا تلك المسافة المريحة التي نضعها عادة بيننا وبين ما نعرفه جيدًا ونتظاهر بجهله. فبعض الحقائق لا تُفهم من خلف الستار، ولا تُحتمل إذا قُدّمت بنصف ضوء. نعيش زمنًا يتقن فن الإخفاء أكثر مما يتقن فن المواجهة، تُقال الأشياء بلغة ناعمة، وتُدار الأخطاء بمسميات مخففة، وتُغطّى الوقائع بطبقات من التبرير حتى تفقد ملامحها الأصلية، فكل شيء يُدار بحذر، إلا الحقيقة، تُترك غالبًا وحيدة، لأنها ثقيلة، ولأن ظهورها على المكشوف يربك الحسابات. فعلى المكشوف تتساقط الأقنعة سريعًا، فلا يعود للادّعاء مساحة، ولا للمواقف المؤقتة قدرة على الصمود، فما كان يبدو ثابتًا يتصدّع، وما كان يبدو ذكيًا ينكشف، وما كان يُصفّق له كثيرون يتعرّى من معناه، فالمكشوف لا يرحم الروايات المُلفّقة، ولا يمنح الوقت للكذبة كي تُحسّن صورتها. والمشكلة ليست في الحقيقة ذاتها، بل في قدرتنا على تحمّلها، فكثيرون يطالبون بالوضوح، لكنهم يقصدون وضوحًا على مقاسهم، لا وضوحًا حقيقيًا، حيث يريدون أن تُكشف الأمور التي لا تمسّهم، وأن تُخفى تلك التي تضعهم في موضع السؤال، وهنا يفقد مفهوم المكاشفة شرفه ويتحوّل إلى أداة انتقائية. وعلى المكشوف لا تعود النوايا قابلة للتأويل، والفعل يُقرأ كما هو، والموقف يُقاس بنتيجته لا بنبرته، لا مكان للرمادية المصطنعة، ولا متّسع للهرب إلى الخلف، إما أن تكون حيث تقف، أو أن تعترف بأنك لم تكن يومًا في المكان الذي ادّعيته. فنخاف المكشوف لأننا نعرف ما سيظهر، ونخاف أن يُسأل السؤال الذي لا نملك له جوابًا مريحًا، وأن تُستعاد الحكاية من بدايتها لا من النقطة التي اخترناها بعناية، ونخاف لأن المكشوف لا يسمح بإعادة كتابة الذات، بل يطلب منا أن نواجه النسخة التي كنّا نؤجّل الاعتراف بها. وفي المجتمعات كما في الأفراد لا تبدأ الأزمات حين تُكشف الحقائق، بل حين يُصرّ على إخفائها، والتراكم الصامت أخطر من المواجهة العلنية، والتجاهل المتقن أكثر تدميرًا من الخطأ المعلن، فما يُقال على المكشوف قد يُوجع لكنه نادرًا ما يُدمّر، بعكس ما يُخفى طويلًا ثم يظهر بغتة. وعلى المكشوف تُعاد صياغة القيم، لا تعود الكلمات الكبيرة كافية، ولا الشعارات اللامعة مُقنعة، فيُسأل الجميع عن الفعل لا عن الخطاب، وعن الثبات لا عن اللحظة، وعن الاستمرارية لا عن الموقف العابر، وهنا فقط يُعرف من كان واقفًا فعلًا، ومن كان يستند إلى ضوء مؤقت. والصدق على المكشوف ليس فضيلة سهلة، بل عبء ثقيل، يتطلّب شجاعة أن تقول ما تعرف، وأن تقف خلفه، وأن تتحمّل تبعاته، ولهذا يفضّل كثيرون السلامة المؤقتة على الحقيقة الدائمة، ويختارون الصمت المُنمّق بدل الكلام الصريح. لكن التاريخ لا يُكتب بالمواربة، والأثر لا يصنعه التجميل، وما يُقال على المكشوف وإن كان قاسيًا أبقى من ألف جملة مُخفّفة. وفي النهاية لا يبقى إلا ما قيل بوضوح، وما فُعل بلا التفاف، وما وُوجه بشجاعة، أما ما عدا ذلك فيذوب مع الوقت كأنه لم يكن، فعلى المكشوف ليس عنوانًا للجرأة فقط، بل امتحانًا للحقيقة، واختبارًا لقدرتنا على أن نكون كما نحن، لا كما نُحب أن نُرى.

الكاتب / طارق محمود نواب

الأربعاء 04 فبراير 2026 م

للاطلاع على مقالات الكاتب ( أضغط هنا )

  

 

زر الذهاب إلى الأعلى