هل تراجعت ثقة الناس بالعلم والأطباء؟

في كل مرة تنتشر فيها شائعة صحية، أو يرفض بعض الأشخاص اللقاحات، أو يشككون في نتائج الدراسات العلمية، يتكرر السؤال: هل فقد الناس ثقتهم بالعلم؟ وهل أصبحت توصيات الأطباء والعلماء محل شك أكثر من أي وقت مضى؟ وقد ازداد هذا التساؤل بعد جائحة كوفيد-19، حتى أصبح الحديث عن “أزمة عالمية في الثقة بالعلم” حاضرًا في وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي.
في مقال نشرته مجلة Nature في الأول من يوليو 2026م بعنوان “Have people stopped trusting science? The data tell a surprising story” استعرضت فيه نتائج عدد من الدراسات الدولية التي بحثت في مستوى ثقة المجتمع بالعلم والعلماء. ومن أبرزها دراسة عالمية نُشرت عام 2023 وشملت أكثر من 72 ألف مشارك من 68 دولة. وقد خلصت تلك الدراسات إلى نتيجة مهمة؛ وهي أن الصورة أكثر تعقيدًا مما توحي به العناوين الإعلامية، وأن المشكلة لا تكمن في انهيار الثقة بالعلم، وإنما في انتشار المعلومات المضللة، والاستقطاب السياسي، وتراجع الثقة بالمؤسسات بصورة عامة.
هل يمر العلم فعلًا بأزمة ثقة؟
تشير الدراسات التي استعرضها المقال إلى أن غالبية الناس ما زالوا ينظرون إلى العلماء بوصفهم مصدرًا موثوقًا للمعلومات المتعلقة بالصحة والبيئة والتقنية. كما تضع استطلاعات الرأي العلماء باستمرار ضمن أكثر المهن التي تحظى بثقة المجتمع، متقدمين على السياسيين والإعلاميين ورجال الأعمال، ولا يتفوق عليهم غالبًا سوى الأطباء.
وتؤكد هذه النتائج أن الانطباع السائد بوجود انهيار عالمي في الثقة بالعلم لا يعكس الواقع بدقة، بل يستند في كثير من الأحيان إلى حالات محدودة حظيت بتغطية إعلامية واسعة، مما جعلها تبدو أكبر من حجمها الحقيقي.
لماذا يبدو أن الثقة تراجعت؟
هناك عدة عوامل ساهمت في ترسيخ هذا الانطباع. أولها أن وسائل التواصل الاجتماعي تمنح المحتوى المثير للجدل انتشارًا يفوق حجمه الحقيقي، فيظهر المشككون في الحقائق العلمية وكأنهم يمثلون شريحة واسعة من المجتمع.
أما العامل الثاني فهو سوء فهم طبيعة المنهج العلمي. فالعلم يتطور باستمرار، وتتغير التوصيات الصحية مع ظهور أدلة جديدة، وهو ما قد يفسره البعض على أنه تناقض أو ارتباك، بينما يمثل في الحقيقة أحد أهم مظاهر قوة العلم وقدرته على تصحيح نفسه.
كما أن كثيرًا من القرارات الحكومية أثناء الأزمات الصحية لا تستند إلى الأدلة العلمية وحدها، وإنما تتداخل فيها اعتبارات اقتصادية وسياسية واجتماعية، إلا أن الجمهور غالبًا ما ينسبها جميعًا إلى “العلم”، وهو ما ينعكس على مستوى الثقة.
ماذا كشفت جائحة كوفيد-19؟
كانت جائحة كورونا أكبر اختبار لعلاقة المجتمع بالعلم في العصر الحديث. فقد تطورت المعرفة بالفيروس بسرعة، وتغيرت التوصيات الصحية مع ظهور بيانات جديدة، في الوقت الذي انتشرت فيه الأخبار الكاذبة ونظريات المؤامرة بوتيرة غير مسبوقة.
وكانت المؤسسات العلمية بحاجة إلى الوقت للتحقق من الأدلة قبل إصدار التوصيات، بينما كانت المعلومات المضللة تنتشر خلال ساعات، مما خلق فجوة بين سرعة إنتاج الشائعة وسرعة إنتاج المعرفة العلمية الموثوقة.
عندما يصبح العلم قضية سياسية
أظهرت الدراسات أن بعض القضايا العلمية، مثل اللقاحات وتغير المناخ، أصبحت في بعض الدول مرتبطة بالانتماءات السياسية أكثر من ارتباطها بالأدلة العلمية. فقد أشارت البيانات إلى انخفاض الثقة بالعلم لدى بعض الفئات السياسية في الولايات المتحدة، كما لوحظت اتجاهات مشابهة في المملكة المتحدة.
وعندما تتحول القضايا العلمية إلى موضوعات سياسية، لا يعود الجدل حول قوة الأدلة، بل حول آثارها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وهو ما يزيد من صعوبة التواصل بين العلماء والجمهور.
المعلومات المضللة… التحدي الأكبر
يرى كثير من الباحثين أن الخطر الأكبر اليوم لا يتمثل في رفض العلم بحد ذاته، وإنما في البيئة الرقمية التي تسمح بانتشار المعلومات المضللة بسرعة هائلة.
فالخوارزميات الرقمية تكافئ المحتوى المثير أكثر من المحتوى الدقيق، كما يميل الإنسان بطبيعته إلى تصديق المعلومات التي تؤكد قناعاته السابقة، وهي الظاهرة المعروفة بالتحيز التأكيدي. ومع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي، أصبح إنتاج محتوى مضلل يبدو مقنعًا أكثر سهولة من أي وقت مضى.
لماذا تهم الثقة بالعلم؟
الثقة بالعلم ليست قضية نظرية، بل تنعكس مباشرة على صحة المجتمع. فرفض اللقاحات أو العلاجات المثبتة علميًا، أو تجاهل الإرشادات الصحية، قد يؤدي إلى زيادة انتشار الأمراض وتأخير تطبيق السياسات الصحية المبنية على الأدلة.
وتشير الدراسات أيضًا إلى أن تراجع الثقة لا يقتصر على العلماء، بل يشمل مؤسسات عديدة، مثل الحكومات والإعلام وبعض المؤسسات العامة، وهو ما يؤكد أن القضية أوسع من مجرد علاقة المجتمع بالعلم.
كيف نبني الثقة؟
تعزيز الثقة لا يتحقق بمجرد نشر مزيد من المعلومات، بل يعتمد على جودة التواصل بين العلماء والمجتمع. فالشفافية، والوضوح، والاعتراف بحدود المعرفة، وشرح أسباب تغير التوصيات، كلها عوامل تسهم في بناء علاقة أكثر متانة مع الجمهور.
كما أن التربية العلمية منذ المراحل الدراسية المبكرة، وتعليم التفكير النقدي، والقدرة على تقييم المصادر، أصبحت من أهم أدوات مواجهة المعلومات المضللة.
ماذا يعني ذلك للممارسين الصحيين؟
بالنسبة للممارسين الصحيين، فإن الثقة لا تُكتسب بالمؤهل العلمي أو المسمى الوظيفي فحسب، وإنما تُبنى في كل لقاء مع المريض أو المستفيد. فطريقة شرح المعلومة الصحية، واحترام مخاوف الناس، والاستماع إلى أسئلتهم، والاعتراف بما هو معروف وما يزال قيد الدراسة، كلها عوامل قد تزيد من ثقة المجتمع بالعلم أكثر من مجرد عرض الحقائق العلمية.
وقد أثبتت التجارب الحديثة أن توفير المعلومات وحده لا يكفي لتغيير السلوك الصحي، بل إن طريقة تقديم الرسالة، وفهم احتياجات الجمهور، واختيار الوسيلة المناسبة للتواصل، أصبحت عناصر أساسية في نجاح برامج الصحة العامة وتعزيز الصحة.
وفي مجال الصحة المدرسية على سبيل المثال، لا يعتمد نجاح برامج التطعيم أو التغذية الصحية أو مكافحة التدخين على جودة الرسائل الصحية وحدها، وإنما يعتمد أيضًا على مستوى الثقة التي يبنيها الفريق الصحي مع الطلبة وأولياء الأمور والمعلمين، وهو ما يجعل بناء الثقة جزءًا أصيلًا من نجاح البرامج الوقائية.
دور المؤسسات الصحية والإعلام
تقع على عاتق المؤسسات الصحية مسؤولية تقديم معلومات دقيقة وسريعة وشفافة، مع بناء حضور رقمي موثوق يواكب سرعة انتشار المعلومات عبر وسائل التواصل الاجتماعي. كما تتحمل وسائل الإعلام مسؤولية التمييز بين الدراسات الأولية والأدلة العلمية الراسخة، وتجنب الإثارة عند تناول القضايا العلمية، وإتاحة المجال للخبراء المؤهلين لشرح الحقائق بلغة مبسطة.
خاتمة
تشير الدراسات الحديثة إلى أن العالم لا يعيش انهيارًا شاملًا في الثقة بالعلم، بل يواجه تحديات يمكن التعامل معها من خلال الشفافية، والتواصل الفعال، والتعليم العلمي، والإعلام المسؤول. ولا يزال العلماء والأطباء من أكثر الفئات المهنية التي تحظى بثقة الجمهور، إلا أن الحفاظ على هذه الثقة يتطلب جهدًا مستمرًا.
ولعل أهم درس يمكن استخلاصه هو أن الثقة لا تُبنى أثناء الأزمات، بل تُبنى قبلها بسنوات، من خلال تواصل علمي مستمر، واحترام عقل المجتمع، والاستماع إلى مخاوفه، وتقديم المعلومات بلغة واضحة وصادقة. وفي عصر الذكاء الاصطناعي والتدفق الهائل للمعلومات، لم تعد مسؤولية الممارس الصحي تقتصر على تقديم الخدمة الصحية، بل أصبحت تشمل بناء الثقة بالمعلومة العلمية، ومواجهة المعلومات المضللة بالحوار والشفافية، لأن نجاح أي برنامج صحي لا يقاس فقط بجودة التدخل، وإنما بقدرته على كسب ثقة المجتمع الذي يخدمه.
بقلم د. ماجد المنيف
استشاري طب أسنان المجتمع