المقالات

الجلوس في قفص الترند

كان الناس قديمًا يخشون أن تُكتب أسماؤهم في سجلات المحاكم، أما اليوم فأصبح الخوف من أن تُكتب أسماؤهم في واجهة الترند. فبين هذين الاسمين مسافة شاسعة، فالمحاكم تُدار بالقوانين، أما الترند فيُدار بالانفعالات. والمحاكم تبحث عن الأدلة، أما الترند فيكتفي أحيانًا بالظنون. والمحاكم تمنح المتهم حق الدفاع، أما الترند فلا يمنح الإنسان سوى ثوانٍ قليلة قبل أن تتكاثر حوله الروايات كما تتكاثر الشرارات في هشيم يابس.

ولقد وُلد في العصر الرقمي كائن جديد لا شكل له ولا وجه ولا ضمير. كائن يتغذى على الإثارة ويزدهر في مواسم الضجيج ويقتات على فضول الجموع. وما إن يعثر على اسم ما حتى يدفع به إلى واجهة المشهد ويُسلطه تحت أضواء حادة لا ترحم. وهناك يبدأ الامتحان الأصعب.

فليس كل من جلس في قفص الترند مذنبًا، وليس كل من تصدر المشهد باحثًا عن الشهرة، وليس كل ما يُقال حقيقة. لكن الجموع حين تهب كالعاصفة لا تسأل كثيرًا عن اكتمال الصورة. حيث إنها تبحث عن نجمٍ ترفعه إلى الذروة أو اسمٍ تدفع به إلى هاوية الاتهام ثم تمضي غير عابئة بما خلّفته وراءها.

وفي زحام هذا اللهاث الرقمي تضيع التفاصيل الصغيرة التي تصنع الحقيقة. فيضيع السياق، وتُبتَر الوقائع، وتُختزل الأعمار في مقطع قصير أو عبارة مجتزأة أو صورة بلا خلفية. وكأن الإنسان لم يعد تاريخًا طويلًا من التجارب والمواقف والإنجازات، بل مجرد لحظة قابلة للتداول.

ولعل أكثر ما يبعث على التأمل أن الحقيقة بطبيعتها تمشي متأنية، أما الشائعة فتركض. والحكمة تتحدث بصوت خافت، أما الانفعال فيصرخ. ولذلك كثيرًا ما تصل الأكاذيب إلى القلوب قبل أن تصل الحقائق إلى العقول.

وفي قفص الترند تتعرض السمعة لنوع جديد من الاستنزاف. فهو ليس استنزافًا تصنعه الوقائع، بل تصنعه التأويلات. فكل متابع يصبح راويًا، وكل راوٍ يضيف من ظنه ما يملأ فراغ معرفته، حتى تتضخم الحكاية وتبتعد شيئًا فشيئًا عن أصلها الأول. وهكذا يتحول الإنسان من شخص حقيقي إلى رواية جماعية يكتبها الآخرون. وما أقسى أن يفقد المرء حقه في تعريف نفسه.

ولعل أخطر ما في الترند أنه لا يكتفي بمحاسبة الخطأ، بل قد يتجاوز ذلك إلى إلغاء الإنسان نفسه. فبعض الجموع لا تكتفي برفض موقف ما، بل ترغب في هدم صاحبه وتجريده من تاريخه وإطفاء كل ضوء أنجزه بسبب عثرة أو زلة أو سوء فهم. وهنا يتحول النقد من قيمة حضارية إلى أداة للانتقام، ويتحول الاختلاف من مساحة للفكر إلى ساحة للمطاردة.

ولأن الضجيج لا ذاكرة له فإن الجموع التي تهتف اليوم سرعان ما تنصرف غدًا إلى اسم آخر وقصة أخرى وضحية جديدة. أما الذي جلس في قفص الترند فقد يبقى وحيدًا يجمع شظايا سمعته ويعيد ترميم ما هدمته لحظة من الانفعال الجماعي.

ولهذا فإن المجتمعات الراقية لا تُعرف بقدرتها على صناعة الترند، بل بقدرتها على مقاومته حين  يخلع عنه رداء الموضوعية

فالعدل لا يُقاس بعدد المشاركين في الاتهام، والحقيقة لا تُوزن بحجم التفاعل، والكرامة الإنسانية أكبر من أن تُترك رهينة لمزاج اللحظة.

ولقد علمتنا الحياة أن الضجيج عابر، وأن الحقيقة وإن تأخرت لا تموت، وأن الأسماء التي تسقط بفعل الشائعات كثيرًا ما تنهض بقوة الوقائع. لكن السؤال الذي يظل معلقًا فوق هذا المشهد كله

فكم من سمعةِ إنسانٍ كان يمكن أن تنجو لو أن الناس منحوا الحقيقة الوقت الكافي لتتكلم؟

وكم من إنسان جلس في قفص الترند بينما كان بريئًا ينتظر فقط أن يصل صوته قبل أن تصل إليه الأحكام؟

 

 

الكاتب / طارق محمود نواب

الخميس 02 يوليو 2026 م

للاطلاع على مقالات الكاتب ( أضغط هنا ) 

 

زر الذهاب إلى الأعلى