المقالات

ركن المجاملات  وقبعة الخلافات

سناب صحيفة صراحة الالكترونية

الخلافات، تلك الصخور العقيمة التي يتجنب البعض الاصطدام بها، ولكنها في الواقع، تمثل أحد أهم عوامل النمو والتطور في حياتنا الشخصية والاجتماعية. فالاختلافات الثقافية والفكرية اليوم أصبحت تشكل جداراً يفصل بين البشر، ولكن إذا تمت معالجتها بذكاء وتفهم، يمكن أن تصبح جسراً يقرب بين الأفراد والثقافات وليس بيئة مناسبةً للخلافات والمشاحنات التي لا ترتقي سوى لأنها عواصف تزلزل سفينة العلاقات الإنسانية، لكنها في ذات الوقت، كالأمواج التي تجلب معها المواهب الخفية وتفجر جوانب الشخصية التي لم نكن نعلم عنها شيئًا.

فالخلافات ليست مجرد مواجهات تمتاز بالضجة والصخب، بل هي فرصة لفهم عميق للذات وللآخر، ومنصة لتحقيق توازن جديد في مسارات العلاقات الإنسانية. إنها الركن الذي يُكشف فيه الإنسان جوانبه الخفية والمهمشة، ويُظهر قدرته في المجتمع على التكيف والنمو.

فماذا لو أخذنا الخلافات من منظوراً مختلفاً؟ وماذا لو نظرنا إلى الخلافات كفرصة لكثير من الأشياء؟ ففي غياب الخلافات، تبقى العلاقات سطحيةً، والفهم محدود، والتطور متوقفاً. إنها المناقشات والمشاحنات التي تجعلنا نفكر بعمق، وتدفعنا إلى إعادة تقييم وجهات نظرنا… إنها تحديات الاختلاف التي تجعلنا نتعلم كيف نتفهم بعضنا البعض بشكل أفضل، وتبني جسوراً من التفاهم المتبادل.

وبفضل تلك الاختلافات نكتشف جوانب جديدة من شخصياتنا ومن العالم من حولنا… ويتيح لنا التعارض الفكري والثقافي فرصة لاستكشاف حدودنا وتوسيع آفاقنا، وبفضلها أيضاً نكتشف أبعاداً جديدة من الحب، حيث يصبح تقديرنا للآخر بطرق أكثر عمقاً وصدقاً.

وبشكل آخر فنحن بحاجة للخلافات أحياناً لمعرفة ما يخفيه الآخرون في قلوبهم؟ فقد تجد ما يجعلك تقف في ذهول مما بدر منه وقد تجد ما تنحني له احتراماً في قمة اختلافك معه. فالخلافات تضع الأشخاص في نصابها وتكشف حدود الواقع بين العلاقات وثباتها . ففيها قد تصطدم بأنانية بشعة، وفيها قد تصطدم بعقول مراهقين واطفال لكن في اجساد الكبار.

فالخلافات، بصورتها الأساسية، هي مرآة تعكس لنا تنوع الخلق وتعدد الآراء والثقافات التي يُملأ بها عالمنا. وفي نفس الوقت الخلافات تمثل وجهاً آخر كاشفاً لكل الخبايا الخبيثة داخل الأنفس. ففي الخلافات، يظهر حقيقة الطرفين، حيث تبرز الصفات الحقيقية للأفراد وتكشف القيم والمبادئ التي يؤمنون بها. فهي التي تُظهرنا لأنفسنا وللآخرين كما نحن بالفعل، دون تكلف أو اصطناع مبالغ فيه وغير حقيقي.

فكم من خلاف رفعت من بعده القبعات لأشخاص لم تتوقع أبداً أنهم باقون عليك حتى أوقات الخلافات أو أنهم يكنون كل هذا الحب والاحترام لك؟ وكم من خلاف أدركت من خلاله إنك تعيش مع عدد من أقنعة أكثر من كونهم بشر؟ فالخلافات هي التي جعلتنا ندرك أن كل شخص ليس مجرد حوار يومي بسيط بل يكمن خلفه قلب يحمل مشاعر وأفكار وأحاسيس.

فهناك مواقف أيقظتنا وصنعتنا من جديد وصنعت بداخلنا شخصيات لم نتخيل يوماً أن نكون عليها، وهناك علاقات توقعنا منها الكثير وكانت آمالنا فيها كبيرة، لكن وجدنا منها القليل وأصبحت خيبات آمالنا فيها أكبر وأكبر.

وبالتأكيد لا اعني بحديثي هذا أننا نسعى للخلافات أو نصطنعها، بل أؤكد على كونها لا تقل أهمية عن أي تفصيله في حياتنا وأن وجودها ليس بالضرورة ان نراها سوء، بل قد يكون وجودها حماية لنا من ألف سوء. فكنت و ما زلت أؤكد أننا بحاجة للخروج من الخلافات بشئ إيجابي ولا أن نتجنبها ، ففي وجود الخلافات تظهر كل الوجوه على حقيقتها.

 

الكاتب / طارق محمود نواب

الخميس 20 يونيو  2024 م

للأطلاع على مقالات الكاتب ( أضغط هنا )

 

زر الذهاب إلى الأعلى