المقالات

حصانة اللغة

سناب صحيفة صراحة الالكترونية

إعراب العنوان “خبر مبتدأ محذوف تقديره هذا وهذه” وفق لما اتفقت علية لجنة اللغة لأعراب العناوين ولو أعدنا التركيب اللغوي للكلمة ستكون (اللغة حصانة) وستكون “مبتدأ وخبر” هذا يعني أن الجملة أخبرتنا أن هذه اللغة هي حصانة وسور منيع لنا، كيف؟!

اللغات السامية لم يتبقى منها إلا العربية هي السائدة وقليل من متحدثي العبرية وعدد لا يذكر من متحدثي الأمهرية وهناك من تلاشى منها كاللغة الآرامية التي كانت لغة مقدسة في سوريا ومنطقة الهلال الخصيب والقداسة هي ما يفوق العادة أو الحب، القداسة شيء عظيم على النفس البشرية وبرغم قداسة اللغة الآرامية لمتحدثيها إلا أن نهايتها كانت مأساوية وتم احتلال الثقافة اللغوية لديهم وتلاشت تماما وتلاشت معها كل ما نبع من فكر وقداسة وعادة مع هذه اللغة. اللغة هي المصدر الأساسي لانبثاق الجذور التحتية الاجتماعية للعادات والتقاليد والعقائدية والقيم الأخلاقية لمتحدثي اللغة والسبب يعود إلى أن نشوء اللغة لأول مرة وسبب تطورها بوجود مفردات ومصطلحات جديدة مع الزمن هو حاجة الإنسان للوصف وتوصيل الفكرة وجعل هذه الفكرة لها وجود واقعي، بناء إلى حاجة الإنسان الماسّة أوجد لغته المميزة التي تتضمن أفكاره وثقافته ومبادئه وعاداته وتقاليده التي لا تستطيع وصفها لغة أخرى كما فعل هو عندما وصف نشأته وجذوره التحتية التي قد تصفها مفردات أخرى من لغة سد وتكون في وصفها أقل دقة وأقل صحة لأن هذه المفردات والمصطلحات التي تحمل الثقافة العربية لا تنتمي إلى اللغة سد، فثقافة اللغة سد مختلفة الحاجات ومختلفة الأفكار فوجدت بدقة لجانب مهم عند أصحاب ثقافتها. قال فضيلة الشيخ أحمد عمر النشوي هو عَلم من أعلام الأزهر الشريف (اللغة من أهم الروابط الإنسانية توحيداً للفكر ‏وتجمع العقليات‏ ومتى أتحدت عقليات وأساليب تفكيرها يكون قوي الدعائم رصين البنيان وذلك وحده هو أساس النهوض وعمود القوة. وإذا ضعفت لغة إحدى الدول وغرقت في سيول اللغات المختلفة، فإنها ستبلل ألسنتها قريبًا وتفترق بها السبل فتصبح في عداد الموتى.  ولو استعرضنا تاريخ الأمم والشعوب، فسنرى كيف يبدأ تفكك أمة بتفكك لغتها، وهي قضية حدثت في كل شعب وفي كل أمة) وعبر ابن خلدون فيما أقره في مقدمته: (إن قوة اللغة في أمة ما، تعني استمرارية هذه الأمة بأخذ دورها بين بقية الأمم، لأن غلبة اللغة بغلبة أهلها، ومنزلتها بين اللغات صورة لمنزلة دولتها بين الأمم). فالارتباط الوثيق بين ‏رقي اللغة ورقي التفكير ‏هو الدخول في دقائق اللغة وتطور اللغة وجمع أكبر مفردات اللغوية في الوصف والتفصيل والبحث والحديث تجعل من الفكر يعمل بارتقاء في التعمق في المعالم والتفاصيل والتأمل ويجعل من جزء الشبكة التنفيذية المركزية في الدماغ يعمل إلى التطور لغويا من خلال فلسفة علم اللسانيات بحيث يكون ترميز مميز لا يترجم باللغات الأخرى ومن هنا سأستعرض النقد البناء الذي يعزز من تفادي الأخطاء ويساعد على بناء سور منيع يحمي حدود الوطن وثقافته. اللغات المكتسبة أمر محمود وجميل لكون الأنسان يفهم ما يدور في النطاق العالمي ولكن من ناحية أخرى الذكاء مطلوب ايضاً عندما تجعل من الدول الأخرى لا تفهم النطاق الخاص الداخلي، فمهما بلغت من تقدم اللغات والترجمة العالمية فهي لا تستطيع أن تنتج مترجم واحد قادر على ترجمة كل العلوم و الاتجاهات المختلفة لما في هذا الاختلاف من اوصاف ومحاور ومصطلحات مختصة به وعليه يتطلب الأمر الجهد الكبير والمختص للحصول على ترجمات دقيقة للمحتوى العربي الداخلي ونقلة إلى لغة أخرى، ولكن اليوم كل هذا لا وجود له فأصبح لدينا معضلتين وطنية الأولى: جميع المحتوى الداخلي من مواقع حكومية وخاصة وأبحاث ومعلومات أصبحت باللغة الإنجليزية فقدمنا للغريب كل الشأن الداخلي على سجاد من حرير بلا جهد منه، وأصبح الغريب يدخل الوطن يفهم ما يدور في النطاق الداخلي أكثر من المواطن، والسبب هو التعامل مع اللغة الإنجليزية بأنها اللغة رقم واحد ولم يعد للغة العربية احترامها. والثانية: لغويات المجتمع في الحديث أصبحت في منطقة رمادية بين الأبيض والأسود فهي ليست اللغة العربية الأم وليست اللغة الإنجليزية الصحيحة، أصبحت لغة مكسرة بمفردات إنجليزية تنطق بالأحرف العربية لا معنى لها في القاموس العربي ولا القاموس الإنجليزي. أتعرفون ما معنى هذا؟ هذا يعني أنه تم احتلال المجتمعات العربية ثقافياً هذا يعني تم احتلال اللغة التي هي منبع أصيل للثقافة العربية التي هي الهوية رقم واحد لكل إقليم جغرافي. فضلاً عن التعامل مع الفرد العربي في قطاعات الاعمال والمنشئات في وطنه أنه ليس ذو مستوى إذا كان لا يتحدث الإنجليزية 100%!!! هو في وطنه ويحمل مستوى للغة الإنجليزية ما يجعله يمارس المهنة وليس مجبر على أن يحمل هذه للغة 100% فله كامل الحق أن يمارس لغته الأم في الوطن ويجب على الغريب أن يحترم هذه اللغة عندما يدخل أوطانها ويجب علينا نحن ايضاً أن لا نعطي فرصة في عدم احترام لغتنا في وطننا، فالغريب القادم يجب عليه أن يتحدث العربية أو يبحث عن حلول بديلة، فهي ليست مشكلتنا على أي حال لنعظم التعامل معهم ونجبر أنفسنا على الحديث معهم بلغتهم في حدود الوطن فلسنا مجبورين على تكبد هذا العناء و خصوصا في زمن اصبح للدول الأخرى مع دولتنا مصالح فسيجبرون على تأسيس دراسة اللغة العربية في أوطانهم. أعطائهم فرصة في عدم احترام لغتنا هذه تسمى هيمنة الاحتلال الثقافي لأثبت لكم هذه الهيمنة هو كالتالي، لو تقدم لأحد الوظائف في قطاعات الاعمال في الوطن شابة أو شاب من بنات وأبناء الوطن لا يتحدث لغته العربية الأم إطلاقاً ولكن يتحدث الإنجليزية بطلاقه هل سيتم رفضه؟ بالطبع لا !، أتعرفون لماذا؟ لأن يوماً ما كان هناك تقديس للغريب عن ابنة وابن الوطن من جهات الاعمال برغم فرض النظام السعودي للسعودة ومن ناحية أخرى هناك تقديس للغة الدخيلة على الوطن على لغة الوطن الأم!، ألمانيا أحد دول الاتحاد الأوروبي والدولة الأكثر كثافة سكانية في دول الاتحاد الأوروبي وتحتل المرتبة الرابعة بين الدول العشرين وغير معترف إطلاقاً باللغة الإنجليزية في بلادهم لجميع المجالات والتخصصات والعلوم واللغة السائدة هي اللغة الألمانية ولا يطلبون في وظائفهم اللغة الإنجليزية بل أن شعبهم يفهم الإنجليزية ولا يستجيب لها ويطلب من الشخص الحديث بالألمانية، وهذا أعظم صور الاعتزاز بالهوية فضلا عن بقية دول الاتحاد الأوروبي تسير على غرار النهج ولم تُحتل ثقافياً.

أعطانا (“ماكس مولر” الماني المولد، بريطاني وعالم لغوي) مثالًا رائعًا شرح به العلاقة بين اللغة والتفكير، حيث يقول: (مثل اللغة مع التفكير، كوجهي العملة لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر: والإنسان لم يكن ليبدي اللغة حباً، ولكن ذلك لأنها سجّل من تفكيره، حفظها له ونقلها منه إلى إخوته في الإنسانية، ومن يتبعه من الأحياء)

لغتنا العربية هي هويتنا الخالدة.

 

 

الكاتبة / عهود الغامدي

زر الذهاب إلى الأعلى