جولة في مناكب القاهرة

صيف عام ١٤٤٠ كنت وأسرتي في القاهرة . ما أجملها من مدينة وما أجمل صخبها وزحمتها مركبات دائمة الحركة ، واوادم تمشي على الأقدام بكثرة .
لا حدس القاهرة العاصمة الزمنية لمصر العربية بل عاصمة أم الدنيا ، والأزهر العاصمة العلمية منار العلم والعلوم ومنهلها ، وواجهة العالم الاسلامي بل أحد ثغوره .
هي الربوة المنعوتة بالقران الكريم التي لجأت إليها مريم بنت عمران وأبنها عيسى من بطش بني إسرائيل .
مصر نحبها كما حبها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وأوصى بأهلها خير ، فان لها نسباً وصهراً .
مصر افتخر بها فرعون في ذروة طغيانه على الورى . مصر صلاح أمرها واستقام عدلاً على يد يوسف عليه السلام ، فيها اثار الانبياء والرسل ، ومعالم التيه ، طور سيناء ، ومشاهد يعقوب ونجله يوسف عليهما السلام ، وعجائب موسى عليه السلام ، واليها هاجرت مريم بعيسى عليه السلام . بجنوبها خط إدريس الحرف ، ومن جنوبها الحكمة خضر معلم كليم الله موسى عليه السلام ولقمان معلم سليمان عليه السلام .
كرر الله ذكر مصر في القران الكريم اكثر من مرة ، وأظهر فضلها ومكانتها الإنسان والمكان . مصر احد جناحي الدنيا ، وعروبة العرب والاسلام .. مفاخرها لا تحصى .
قبة الاسلام وترثة التاريخ وعصب الانسان وتاريخه .
نهره أجل الأنهار وأطولها ، بخيراته تعمر بلاد الحرمين الشريفين وكسوة كعبتها ، والتكية المصرية معلومة غير مجهولة ، بأهله يبهج موسم الحج ، وبره يعم الشرق والغرب ، وضعه المولى بين البحرين الأبيض المتوسط والأحمر ، وأعلى في الخافقين .
مصر الربوة المسماه ذات ذكر غير خامل ، ونهره يجري عسلاً في الجنة ، مصر في أعين السعوديين مهد الحضارات ، ومنار الانتصارات ، لها ثقل ووزن في العالم الاسلامي . مصر والسعودية وجهي عملة واحدة تكتسب القيمة منها .
المثقف المحظوظ هو من يمر بمصر ، ويسيح في اروقتها واحيائها العتيق منها والحديث ، وفيافي حدائقها الخلابة لاسيما الجبلاية حديقة الحب الرومنسية ، ويشرب من النيل ، ولا حرج أن مزمز فاكهتها الذيذة لاسيما مانقا فرغلى ، ويتذوق من مطعم فرحات الحمام ومرقته ، ومطعم النيل الأرانب بالملوخية أشهى طبق عرفته الماكولات في حوض البحر الأبيض المتوسط .
المثقف المحظوظ من يشرب فنجان قهوته بمقهى نجيب محفوظ بالحسين ، ولا حرج أن يتلذذ بأم علي ، وكنافة مصر .
المثقف المحظوظ من يتجول بشوارع الأزبكية والعتبة ، ولا حرج أن يتهادى متأنقًا في شارع جاردن سيتي ، ومول ستي ستار .
المثقف المحظوظ من يُفتح له باب جامعة الملك فؤاد (جامعة القاهرة) ، فينحني يمينًا لكلية الأداب (كلية العمالقة) ثم يمر مرورًا فقط بكلية أبناء الباشوات العلوم السياسيّة، ثم كلية العامة والخاصة (التجارة) ثم كلية الاقتصاد الإسلامي ، ويقابل جهابذة أساتذته الأكاديميون ثم حصن العربية (دار العلوم) ثم كلية الأثار تلك نجوم منارات العلم .
المثقف المحظوظ من يجود وقته ويمرح بعض وقته بحديقة الأرومان بجوار الجامعة ، وخاصة في أشهر الربيع ابتداءً من شهر مارس، ثم يسلك شارع الجيزة إلى ميدان الدقي، ثم يتجه يمينًا إلى سينما التحرير لا حرج من مشاهدة فيلم، ثم يتجه لشيراتون القاهرة مشيًا على القدام مستمتعاً بالسير. معرجاً شيراتون الجزيرة، ثم يمر بكازينو النيل ، ولا حرج من تناول عصير كوكتيل كازينو النيل الذي لم تتغير ذائقته ، ثم يسلك الطريق مشيًا بالأقدام على كوبري قصر النيل، ثم يتجه يمينًا إلى سميراميس ، وفندق شبرد ولا حرج أن عرجتَ على فندق المريديان ، ثم العودة على فندق هيلتون النيل مرورًا باللوبي حيث ملتقى الرواد ، ثم مرورًا بهليتون رمسيس ولا حرج أن عرجت على المركز التجاري، ثم تسلك ٦ أكتوبر للجزيرة حيث النادي الأهلي يضرب أطنابه، ثم أتجه يمينًا لفندق الماريوت قصر باشا مصر الكبير الخديوي ، ثم عرِّج على الزمالك حيث البرجوازية وأسلك كل زقاق ستجد أثرًا من حاضر مصر حتى عمارة أم كلثوم وسوف ترمق خلف النيل إمبابة اطيان الرز المصري العتيق حيث الفرق كبير وواضح، ولكنها فلسفة أخرى من فلسفة فهم أم الدنيا.
ثم أتجه لمدينة النصر واقامة في الفرسان للشقق الفندقية خلف البنك الكويتي قريباً من شارع تعز أجمل إقامة كانت إقامتي بأهلي وأسرتي فيه ، وفيه نخبة مميزة تعطيك الأريحية منهم محمد ابو علي وربيع وسامح ومحمود ومصطفى عبدالرحمن واخران مصطفى وتسعى بك الخطى للمهندسين الحي الراقي، ونادي الزمالك، وشارع عرابي، وشارع جامعة الدول حيث ملتقى العرب ، ولم يبق إلا أثر ومبنى، ونادي الضباط السعودي على ضفة النهر بجوار سفارة خادم الحرمين الشريفين ، وأنشأت مباني العاصمة الجديدة ذات التحصينات الجيدة ، ولا حرج من سندوتش فلافل وفول العمدة، وكوفي أطلس، وفندق نبيلة، وركعتين في جامع الأزهر ومثلها في مسجد المفكر مصطفى محمود، وعرِّج يمنة على شارع شهاب ملتقى الاحباب ، وميدان لبنان إلى شارع السودان ، وإن عرَّجت يسرى إلى ميدان نادي الصيد، ولا يفوتك مطعم بنت السلطان ، وإن دلفت لنادي الصيد ستجد الارستقراطيين ببنادقهم يتسلون بالرماية يعيدون أحلامهم لأيام الإقطاع والطبقية والبرجوازية.
ولكن تبقى مصر مصر الجميع.. دون استثناء .. مصر العروبة
في مصر الجديدة مقر العلامة محمود شاكر رحمه الله في شارع الهرم تتحفك جموع البشر كذلك شارع فيصل من ناحية الهرم حيث كان مقر أستاذنا في علم اللغة رحمه الله العلامة الدكتور عبدالصبور شاهين ،
وما أجمل حين يستقيظ الفجر على صوت مؤذن المسجد/ وائل انور محمود حنفي بشارع تعز مدينة النصر ونصلي خلف من يؤمنا عادة في صلاة الفجر وغرب المسجد عمارة المهندس المعماري/ أحمد محمود البسطاوي سبق ان عمل ببلديات نجران وصمم مجالسه على مجالس شيوخ قبائل نجران .
ولنادي الطلاب السعوديين بشارع عبدالمنعم رياض ..قصص وحكايات جميلة وطويلة . أبطالها عابرون وعابرات ، وموظفو السفارة والقنصلية والملحقات .
ولنا قصص مع الملحقية الثقافية والقنصلية في جاردن ستي …..
حين علوت قمة المقطم مساء عصرية آنسه وبرغم مظاهر تلوث الفضاء حول القاهرة القديمة إلا إن رؤعة المكان وسر العبقرية يجعلك تتلأشى كل منظرٍ قبيح لتبقى فقط الصورة التي تود لمصر أن تكون عليها ،
قلعة صلاح الدين شامخة ، السيدة زينب ، جامع عمرو بن العاص ، الأزهر الشامخ ، القاهرة الفاطمية ، القاهرة المملوكية ، النيل وهبته .
للمقطم وجهان الوجه العبوس التُّرب ( المقابر ) المخيفة ويظهر لك ساكنيها الأحياء والموتى ،
ووجه المقطم العلوي مظاهر الثراء والإقطاع والارستقراطية والمقطم قال عنه عمرو بن العاص متسال لماذا اقرع بخلاف جبال الحجاز تعلوها الاشجار ليست قرعاء . ومما أحزنني مشاهداتي لحديقة الجبلاية أسوى منظر بخلاف ما وصفتها الكتب والصحف والمجلات أجمل حديقة في العالم استقطبت زائريها من اوروبا .
وللحديث بقية عن مصر وزياراتي عن التكوين المكاني وعن التكوين الاجتماعي والعادات ومظاهر العيد بمصرالعريقة ارضاً واهلاً . مما أحزنني حينما ذهبت لحديقة الجبلاية التي انشاءها الخديوي إسماعيل لحبيبته الفرنسية وذكرتها الكتب باعتبارها تحفة منفردة من الجمال مشاهدتها على الطبيعة ووقوفي عليها غير تلك الصورة التي تحدثت عنها الكتب وليتني لم أذهب اليها ولم اقف عليها محتفظاً بصورتها الجميله في ذهني عما قراءت عنها بالكتب ، وما أطلعت عليه في الصحف والمجلات .
اثناء تعريجي وعائلتي فى وسط القاهرة عاصمة الحضارة الإسلامية ومعقل جهابذت العلماء ومنار العلم ومعاهده ..
وبعيد عن التجاذبات بالتأييد او من عدمه ، وأثناء مروري بدور السينما في القاهرة مررت بشارع وجدت صالة سينما بمبنى فخم فاخر وأثاث راقي وإضاءات جميلة ، وامكانيات فائقة مزودة بادوات واجهزة حديثة متطورة بصرية وسمعية جيدةوبعدها بمسافة قصيرة وجدت مدرسة حكومية مستاجرة بعض فصولها كانت مطابخ سابقاً ومكتب المدير صالة الطعام سابقاً ..
ياسادة عما ينبي هذا ؟ عن مجتمع حضارة الاسلام في عصورها الوهاجة وسراجها المنير لشعوب المظلمة يدل دلالة قطعية تفيد القين تتطرق إليها الفساد بتحطيم منار ومنابر العلم ومعاهد المعرفة ومؤسسات تنمية الفكر والإنسان.. والارتقاء بدور اللهو والترفيه على حساب دور التعلم والعلم والفكر ومناراته .. أدركت حينها ان جيل القاهرة ومصر حتماً لا محالة الجيل القادم سوف يلبس عباءة الجهل باناقته وبفكر بحماقة وأعلم ان هذا عين الفساد . وأغرب مستغربته اثناء وقوفي عند بائع برشومي ( التين الشوكي ) وتبادل أطراف الحديث لمست منه على مستوى من الثقافة وحسن مخارج الحروف من الجنسية المصرية شمال جامع تعز بمدينة النصر بخلاف وكيل وزارة لا يحسن مخارج الحروف وثقافته ضحله جداً جلبته لموقع الوزارة المودة أو المادة ” المكان المناسب للنسيب وليس للرجل المناسب.
وللحديث بقية عن مصر والتكوين المكاني والتكوين الاجتماعي والعادات ومظاهر العيد بمصرالعريقة ارضاً واهلاً مشاهداتنا خلال الجولة .
بقلم/خالد حسن الرويس