المقالات

لا سقف يعلو فوق سقف الوطن

حين يكون الوطنُ المملكةَ العربيةَ السعودية فإن للكلماتِ هيبةً تُلزمها الوقار قبل البيان، لأن الحديثَ هنا ليس عن دولةٍ فحسب، بل عن وطنٍ شرَّفه الله بخدمة الحرمين الشريفين، وأكرمه بقيادةٍ جعلت من العدل منهجًا، ومن الحكمة بوصلةً، ومن العزم طريقًا إلى المجد. فهنا يقف التاريخ إجلالًا لراية التوحيد، وتنحني الوقائع أمام دولةٍ لم تبنِ مكانتها بالشعارات، بل شيدتها بالإيمان والعمل والإنجاز. ومن هنا يبدأ اليقين الذي لا يقبل المساومة، فلا سقف يعلو فوق سقف الوطن.

فالأوطان العظيمة لا تستمد هيبتها من اتساع حدودها، بل من رسوخ مبادئها، ولا تُقاس بما تملكه من الثروات، بل بما تصنعه من حضارة، وما تغرسه في نفوس أبنائها من ولاء، وما تكتبه في صفحات التاريخ من مواقف لا تنحني أمام العواصف. والوطن حين يبلغ هذه المنزلة يغدو قيمةً عليا، لا تعلو عليها قيمة، وغايةً كبرى، تتضاءل أمامها المصالح، وتتراجع دونها الرغبات.

وليس الانتماء إلى الوطن كلمةً تتردد في المناسبات، بل ميثاق شرفٍ يلازم الإنسان في كل خطوة. حيث يظهر في إخلاص الموظف، وعدل القاضي، وأمانة التاجر، وإتقان الصانع، ويقظة الجندي، وصدق الكاتب. فكل يدٍ تبني، وكل عقلٍ يبدع، وكل ضميرٍ يخلص، إنما يضيف حجرًا جديدًا في صرح الوطن الشامخ.

والمملكة العربية السعودية ليست وطنًا يعيش على أمجاد الماضي، بل وطنٌ يصنع أمجاد الغد. فمنذ أن وحَّد الملك المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود طيب الله ثراه هذه البلاد على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فأصبحت هذه الدولة نموذجًا للوحدة بعد الفرقة، وللأمن بعد الخوف، وللاستقرار بعد التشتت. ثم توالت مسيرة البناء جيلاً بعد جيل، حتى غدت المملكة اليوم رقمًا صعبًا في معادلات السياسة والاقتصاد والتنمية، وصوتًا مسموعًا في المحافل الدولية.

وفي عهد مولاي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ازدادت الدولة رسوخًا، وتعاظم حضورها، وترسخت مؤسساتها، وأصبحت الحكمة عنوانًا لقراراتها، والثبات سمةً لمواقفها. ومع سيدي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، انطلقت مسيرة تحولٍ استثنائية، تجاوزت حدود الطموح التقليدي، لتؤسس وطنًا ينافس المستقبل بثقة، ويصنع الإنجاز بلغة الأرقام، ويؤمن بأن الأمم لا تُخلد بما تتمنى، بل بما تنجز.

ولذلك فإن الدفاع عن الوطن لا يكون بالسلاح وحده، بل بالفكر الواعي، والعمل المتقن، وحماية وحدته، وصون سمعته، والتصدي لكل ما يمس أمنه أو يحاول النيل من مكانته.

وسيظل الوطن هو السقف الذي تستظل تحته الأحلام، وتُصان في ظله الكرامة، وتزدهر على أرضه الإنجازات. وستبقى السعودية العظمى رايةً للعز، ومنارةً للمجد، وقلعةً للسيادة، لأن الله أكرمها برسالةٍ خالدة، وشعبٍ وفي، وقيادةٍ حكيمة، وإرادةٍ لا تعرف المستحيل. ومن أدرك قيمة الوطن، أدرك أن كل سقفٍ يمكن أن يُبنى، وكل مجدٍ يمكن أن يُصنع، وكل مكانةٍ يمكن أن تُنال، إلا سقف الوطن، فإنه يظل أعلى من كل سقف، وأسمى من كل مقام، وأبقى من كل مجد.

فلا سقف يعلو فوق سقف الوطن، ولا راية تعلو فوق رايته، ولا ولاء يسبق الولاء له، لأنه البداية التي ننتمي إليها، والنهاية التي نفخر بالعودة إليها، والحقيقة التي تبقى شامخةً مهما تبدلت الأزمنة وتعاقبت الأجيال.

 

الكاتب / بندر محمود نواب

إقراء المزيد

زر الذهاب إلى الأعلى