المقالات

الإدارة بالحب وليس بالكرباج

أثناء رحلتي سواء في القراءة أو في الكتابة تعمقت كثيراً في محاولات لتأمل وفهم الجانب الأساسي الذي ينبغي على المدراء والمشرفين “وكل من يتعامل مع العنصر البشري عموماً” أن يوليه اهتماماً فائقاً ويدرك قيمته. فمن خلال مواقف عدة أدركت أن الإدارة بحب ليست مجرد جزء من المعادلة الإدارية، بل هي حجر الزاوية الذي يشكل أساس نجاح القائد في قيادة وإدارة فريقه.

فالحب هو إكسير الحياة وبلسم جراحها، فالحياة السعيدة لا تقوم إلا بمقومات مهمة ذلك الحب احدها. كما أن الحب ليس فقط مشاعر نبيله، بل هو أيضاً واقع عملي يتوافق بصدق مع تلك المشاعر، وهو مصب وخلاصة الإدارة الصحيحة. فمشاعر الحب في الإدارة هي العنصر الحيوي وجوهر الحكمة في كل تصرف وقرار يتخذه المديرون والقادة، سواء كان مقصوداً أم غير مقصود.

ومن المتعارف عليه أن الإدارة هي تنفيذ الأعمال من خلال الآخرين، كما إنها تحقيق للأهداف بأعلى كفاءة واقل كلفة وأسرع وقت ممكن، لكن السؤال هنا هل للحب دور في جعل الآخرين ينجزون أعمالهم بأعلى كفاءة واقل كلفة وأسرع وقت؟ أو هل هذا يصلح أن يكون منهجا في إدارة الآخرين لتنفيذ الأعمال؟ أم أن كل ذلك ترف فكري لإثارة الجدل ليس إلا؟

من اكثر التشبيهات قرابة للإدارة هي إنها عبور سفينة المسئوليات عبر محيط التنفيذ الهائج بأمان. وفي الحقيقة، عالم الإدارة والقيادة، يتجلى جوهريته في الحب ودائما ما ننظر إليه على إنه المحرك الذي يدفع تلك السفينة نحو العبور الآمن إلى ضفتي التفوق والنجاح، ومن خلال ذلك النهج يمكن أن تتحول أي مجموعة من الأفراد إلى فريق قوي ومتكامل إذا ما أدارتها يد الحب.

ففي كثير من الأوقات كنا نغوص في أعماق الإدارة دون أن ندرك أحياناً أن القوة الحقيقية للإدارة تكمن في ذلك الحب، ليس في الشدة أو الضغط. والحب هنا ليس مجرد مظهر للعاطفة، بل هو قوة تحريكية تشكل قاعدة الرؤية وتشعل نيران الشغف. فالقائد الحقيقي لا يُدير بقبضة من حديد، بل بلطفه وحنانه، ولفهمه لقواعد اللعبة الإدارية ومن خلال قدرته على إلهام الآخرين وتوجيههم بحب واحترام… وفيها لا يتعامل القائد مع الموظفين كأرقام في الدفاتر المحاسبية، بل يرى فيهم الأشخاص الذين يستطيعون أن يساهموا في نجاح المنظمة. فهو من يبني علاقات طويلة الأمد ويحظى بولائهم وانتمائهم. وبذلك، يشجع الإبداع وروح المبادرة ويسمح للموهبة الكامنة أن تتفتح وتزدهر.

ومن خلال تبنيه لهذا المفهوم، يتجاوز القائد حدود الإدارة التقليدية، ويكون قائداً لأرواح قبل أن يكون مديراً لأداء. وحينها يُنسج الحب في خيوط الاتصالات القائمة على الثقة والاحترام، وهو ذلك العنصر السحري الذي يمكنه تحويل فريق عادي إلى جماعة ملهمة.

فالإدارة، هي فن القيادة الذي ينطوي على خلق توازن رقيق بين القلب الحاني والعقل المدبر. وإذا كانت الشدة تعد مجرد ركيزة ميكانيكية للتنظيم، فإن الحب، هو المحرك الخفي الذي يمنح العملية إيقاعاً فريداً.

فالإدارة بالحب هي أسمى درجات الرقي، لما لها من معنى نفسي وروحي مغروس في أعماق النفس البشرية ومخلوق معها، ولمكانة ذلك الأسلوب كجزء من تركيبتها الوجدانية العاطفية التي لا يستغني عنه الإنسان ولابد من ممارسته تماما كما يمارس عملية التنفس والأكل والشرب وخصوصاً في الإدارة لما له من دور حيوي في تحفيز الأفراد وتوجيههم نحو تحقيق النجاح وتفوقهم في أداء المهام بأعلى كفاءة وأقل كلفة وأسرع وقت ممكن. فالحب في الإدارة يجسد القيم الأخلاقية والتفاني في خدمة الفريق، ويعزز التواصل الإيجابي والثقة المتبادلة، مما يؤدي إلى بناء بيئة عمل ملهمة ومحفزة. إنه العنصر الذي يجعل الإدارة ليست مجرد عملية تنظيمية، بل هي تجربة إنسانية تحمل في طياتها النجاح والتطور المستمر.

 

الكاتب / طارق محمود نواب

الخميس 08 فبراير 2024 م

للأطلاع على مقالات الكاتب ( أضغط هنا )

 

زر الذهاب إلى الأعلى